: علي أحمد
هذا حدث غير مسبوق، سواء كنا ندعمه، نختلف معه، أو نقف منه على مسافة محسوبة، فهو يظل حدثًا مهمًا. مؤتمر تحالف السودان التأسيسي، الذي تُعقد فعالياته في العاصمة الكينية نيروبي منذ الثلاثاء 18 فبراير الجاري، ويستمر حتى 21 منه، سيُختتم بإعلان حكومة “السلام والوحدة” في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، التي أضيفت إليها مناطق سيطرة الجيش الشعبي – شمال، بما تملكه من ثقل عسكري، سياسي، بشري، وجغرافي كبير.
تكمن أهمية هذا المؤتمر في كونه أكبر تجمع (سياسي / مجتمعي) سوداني يُعقد منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2021. فقد جمع طيفًا واسعًا من القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية، بما في ذلك الإدارات الأهلية والشعبية والمرأة وقوى الريف، في مواجهة حكومة الأمر الواقع الانقلابية بقيادة عبد الفتاح البرهان وأزلام النظام الإخواني السابق، الذين دفعوا بالبلاد إلى أكبر أزمة سياسية وحرب أهلية، وأوصلوها إلى حافة الانهيار والتقسيم عبر رفضهم المستمر لكل الحلول السياسية وإصرارهم على مواصلة الحرب، مما أدى إلى تشريد وتجويع المواطنين العزل وتقسيمهم على أسس عرقية وإثنية.
إن مشاركة شخصيات ذات ثقل سياسي وعسكري كبير، مثل اللواء فضل الله برمة ناصر، وزير الدفاع الأسبق ورئيس حزب الأمة القومي، برفقة قادة الحزب في كردفان ودارفور، إلى جانب القائد عبد العزيز آدم الحلو، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، الذي يسيطر جيشه على مساحات واسعة من ولاية جنوب كردفان وأجزاء مقدرة من ولاية النيل الأزرق، والفريق عبد الرحيم دقلو، نائب قائد قوات الدعم السريع، ومكونات الجبهة الثورية ، ومبروك مبارك سليم، قائد الأسود الحرة بشرق السودان، بالإضافة إلى ممثلي الحزب الجمهوري برئاسة الدكتور النور حمد، ورموز حزبية ومهنية ومن المجتمع المدني السوداني، وشخصيات قومية وأهلية، وعضو مجلس السيادة محمد حسن التعايشي، ووزير العدل السابق الدكتور نصر الدين عبد الباري، وغيرهم العشرات من الجهات الاعتبارية والشخصيات المعتبرة، ممن قد يسقط ذكرهم سهوًا، منح المؤتمر زخمًا غير مسبوق.
هذا الحشد النوعي، الذي يمثل أكبر كتلة سكانية وأكبر رقعة جغرافية في البلاد، أجهض ادعاءات وشائعات وأكاذيب الإسلاميين الذين يديرون حكومة بورتسودان تحت غطاء الجيش، بأن الحكومة المزمع تشكيلها كإحدى مخرجات المؤتمر تمثل ما يُسمى بـ(دولة آل دقلو). فهل القائد الحلو، وفضل الله برمة، وإبراهيم الميرغني، ومبروك مبارك سليم، والمئات مثلهم من آل دقلو؟ لقد فضح هذا الحضور الكبير كل مفترٍ وانفصالي وعنصري، مجسدًا أحد شعارات ثورة ديسمبر المجيدة: (يا عنصري ومغرور، كل البلد دارفور).
إن انضمام أكبر وأقوى حركة كفاح مسلح، الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، أضاف للتحالف ثقلاً سياسياً وعسكرياً نوعيًا. فالجيش الشعبي، وفق تقديرات دولية عديدة، يُعتبر القوة الثالثة في البلاد بعد القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. وإذا أضفنا إليه تحالفه مع قوات الدعم السريع وقوات حركات الكفاح المسلح، يصبح هذا التحالف العسكري قوة ضاربة تتجاوز تحالف الكيزان مع قيادة الجيش، ويمثل نواة صلبة لتأسيس الجيش القومي في المستقبل، بل إن المؤتمر يمثل أكبر محفل للمهمشين في السودان منذ استقلاله – أو استغلاله، إن شئت – عام 1956.
إن وجود الحركة الشعبية ككيان ذي فكر وبرنامج سياسي واضح حول كيفية حكم السودان وإدارة موارده، ضمن هذا التحالف، يمثل نقلة نوعية في العمل السياسي للمرحلة المقبلة. فقد صرح الحلو، في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، بأن الهدف هو تأسيس أوسع جبهة مدنية داعمة للتحول الديمقراطي والتنمية والازدهار، كما أعلن تبني التحالف لمبدأ (علمانية الدولة) بشكل واضح لا لبس فيه، مما يغلق الباب أمام أي متاجرة سياسية بالشعارات الدينية. إذ لم يُقعد السودان شيء أكثر من الطائفية والأحزاب الدينية. وأكاد أجزم أنه حتى لو اجتمعت بقية الأحزاب والمنظمات السودانية لقرن من الزمان، لما استطاعت تبني العلمانية بهذه الصراحة، فقد جربنا ذلك في نقاشات ثورة ديسمبر، حيث كانت القضايا الحقيقية تُؤجَّل لمؤتمر قومي عام يعلم الجميع أنه لن يُعقد، وإن عُقد، أقامت الأحزاب الدينية والطائفية قيامة السودان، كما فعلت طائفة منهم في 15 أبريل 2023.
لا شك أن هناك حاجة ماسة لحكومة تدير شؤون البلاد بعد أن تخلت عنها سلطة الأمر الواقع، واعتبرت ملايين المواطنين أقل درجة من غيرهم، بل في أحيان كثيرة أنكرت حتى مواطنتهم، ووصفتهم بأنهم مجرد “شتات صحراوي” كما لو كانوا قطيعًا من الإبل!
إن هذه الملايين بحاجة إلى سلطة تسد الفراغ الكبير الذي أحدثه انقلاب 25 أكتوبر 2021، حين أطاح قائد الجيش بأقوى حكومة وطنية شعبية، ثم عجز بعدها عن تشكيل حكومة حتى الآن، مما أدى إلى انهيار كافة أوجه الحياة في البلاد، وتدمير النظام الصحي والتعليمي والبنية التحتية بضعفها وقلتها. كما أن جميع مبادرات إنهاء الحرب عبر التفاوض باءت بالفشل، لأن البلاد لا تمتلك حكومة، بل يديرها شخص واحد يُحركه الكيزان، ولا يمكن رهن مصير شعب بأكمله لرجلٍ معتوه، يريد أن يحكم بأي ثمن، حتى لو كان ذلك يعني تمزيق السودان وتقسيمه.
إن تكوين تحالف السودان التأسيسي، والسعي إلى إطلاق حكومة السلام والوحدة، جاء بعد عامين من رفض جميع المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب عبر المفاوضات والحوار السياسي. فقد أطاح البرهان ومن خلفه مجرمو نظام البشير بمنبر جدة، ومنبر “إيغاد”، وتجاهلوا نداءات الاتحاد الأفريقي والدول الصديقة، متمسكين بشعارهم البائس “بل بس”. فهل يا ترى سيصمدون أمام ما حدث في نيروبي، أم سيغرقون في العزلة التي صنعوها بأنفسهم؟
إن القوى الثورية والديمقراطيين السودانيين عامة، الذين يخشون على وحدة البلاد، بحاجة إلى بلورة موقف يواكب المتغيرات الجديدة في نيروبي. عليهم تجاوز مرحلة (لست معكم، ولكني لست ضدكم)، لأن أي موقف متحجر آخر سيزيد الفجوة، ويحوّل المخاوف إلى واقع. فصون وحدة البلاد يبدأ من تقارب الوحدويين بعضهم من بعض، واتحادهم ضد مشروع “حمدي” الانفصالي، الذي يمثله قائد الجيش وكيزانه، الذين، دون أدنى خجل أو حياء، يرهنون سيادة السودان بعودة الوصاية الاستعمارية القديمة، ويقايضون “سواكن” بطائرات “بيرقدار”!
لقد أعادونا بحربهم إلى عهود السلطنة الزرقاء، وها هم، من أجل أن نصبح عبيدًا في وطننا، يريدون إعادتنا إلى الحكم التركي/المصري السحيق. ولكن هيهات!