مركز رؤى الإعلامي RMC
  • الأخبار
  • التقارير
  • الرياضة
  • المنوعات
  • الانباء الصحية
  • الرأي
  • انفوغرافيك
  • Home-EN
No Result
View All Result
مركز رؤى الإعلامي RMC
  • الأخبار
  • التقارير
  • الرياضة
  • المنوعات
  • الانباء الصحية
  • الرأي
  • انفوغرافيك
  • Home-EN
No Result
View All Result
مركز رؤى الإعلامي RMC
No Result
View All Result

من سؤال السلطة، من يحكم وكيف يحكم إلى سؤال التأسيس: كيف تُبنى الدولة في السودان؟

23 مايو، 2026
0
خالد كودي

خالد كودي

21/5/2025 خالد كودي، بوسطن

مقدمة: حين لا يكفي أن نسأل: من يحكم؟

ظلّ السؤال السياسي في السودان، منذ نشأة الدولة الحديثة، يدور في الغالب حول سؤال واحد: من يحكم السودان؟

كان السؤال يبدو بديهياً في ظاهره، لأنه يتصل بتداول السلطة، والانقلابات العسكرية، والانتخابات، والأحزاب، والحكومات الانتقالية. غير أن التجربة السودانية، بتراكم أزماتها وحروبها وانهياراتها، كشفت أن هذا السؤال لم يعد كافياً، بل صار سؤالاً ناقصاً ومضللاً أحياناً. فقد تغيّر الحكام، وتعاقبت الأنظمة، وسقطت دكتاتوريات، واندلعت انتفاضات شعبية عظيمة، لكن الدولة نفسها بقيت في جوهرها كما هي: دولة مركزية، إقصائية، عسكرية، ذات خيال أحادي للهوية، ومبنية على امتيازات تاريخية غير عادلة.

من هنا جاء التحول الثاني في الوعي السياسي السوداني للكثيرين: من سؤال من يحكم؟ إلى سؤال كيف يُحكم السودان؟

وهذا السؤال كان أكثر تقدماً، لأنه فتح النقاش حول الدستور، ونظام الحكم، والفيدرالية، وتقاسم السلطة والثروة، والحريات العامة، والعلاقة بين المدني والعسكري، وفصل الدين عن الدولة. لكنه هو الآخر لم يعد كافياً في لحظة الانهيار الشامل، لأن السودان لم يعد يواجه أزمة إدارة حكم فقط، بل يواجه أزمة وجود الدولة ذاتها.

لذلك فإن السؤال الأكثر جذرية وثورية بل وواقعية اليوم قد تغير الي: كيف تُبنى الدولة؟

ليس فقط كيف تُدار الحكومة، أو كيف تُقسم المناصب، أو كيف تُنظم الانتخابات، بل كيف يُعاد تأسيس الدولة السودانية من جذورها: في تعريفها للمواطنة، وفي علاقتها بالتعدد، وفي احتكارها للعنف، وفي توزيعها للموارد، وفي اعترافها بالذاكرة والعدالة التاريخية، وفي قدرتها على تحويل شعوب السودان من رعايا إلى مواطنين.

هذا هو السؤال الذي طرحته، بدرجات متفاوتة من الوضوح والجرأة، بعض حركات التحرر السودانية، وفي مقدمتها الحركة الشعبية لتحرير السودان عبر رؤية السودان الجديد، بوصفه سؤالاً يتجاوز إدارة السلطة إلى تفكيك بنية الدولة نفسها. وهو في الوقت ذاته السؤال الذي ظلت النخب المركزية تتجنبه عمداً، إذ آثرت الانشغال بإصلاح السطح بدل مساءلة الأساس، حفاظاً على منظومة الامتيازات التي نشأت داخلها. واليوم، مع بروز ملامح تسوية سياسية في الأفق، تكتسب هذه المسألة إلحاحاً مضاعفاً، إذ لم يعد ممكناً القفز فوق السؤال الحقيقي الذي يعبّر عن موقع السودان الراهن وشروطه الجديدة بعد حرب الخامس عشر من أبريل: ليس من يحكم السودان، ولا كيف يُحكم، بل كيف يُعاد تأسيس الدولة على نحو يقطع مع أسباب الانهيار ويمنع إعادة إنتاجه.

أولاً: الدولة السودانية بوصفها مشكلة تاريخية لا جهازاً محايداً

من الخطأ الاستمرار في النظر إلى الدولة السودانية بوصفها جهازاً إدارياً محايداً يمكن إصلاحه بتغيير الحكام فقط. فالدولة، كما يذكّرنا ماكس فيبر، هي المؤسسة التي تحتكر الاستخدام المشروع للعنف داخل حدود معينة. لكن في الحالة السودانية، لم يكن احتكار العنف مشروعاً بالمعنى الأخلاقي أو التعاقدي، بل كان غالباً احتكاراً قسرياً استخدمته السلطة المركزية لإخضاع الأطراف، وإعادة إنتاج الامتيازات، وفرض هوية رسمية على واقع شديد التعدد.

لقد ورث السودان الحديث بنية دولة استعمارية صُممت للسيطرة أكثر مما صُممت للمواطنة. وبعد الاستقلال، لم تقم النخب الحاكمة بتفكيك هذه البنية، بل ورثتها واستعملتها. ولذلك فإن الاستقلال السياسي عام 1956 لم يتحول إلى استقلال اجتماعي وثقافي واقتصادي لكل شعوب السودان. بقيت الدولة مركزية في خيالها، عربية–إسلامية في تعريفها الرسمي للهوية، عسكرية في أدواتها، وطبقية في توزيعها للفرص.

هنا تبرز أهمية مقولة فرانتز فانون في نقده للدولة الوطنية ما بعد الاستعمار: إن النخبة الوطنية، إذا لم تُحدث قطيعة حقيقية مع بنية الاستعمار، تصبح مجرد وسيط جديد لإدارة الهيمنة القديمة. وهذا ما حدث في السودان. فالجلد تغيّر، لكن الهيكل بقي. خرج المستعمر، لكن الدولة التي بناها بقيت أداة للضبط والإخضاع.

لذلك فإن أزمة السودان ليست فقط في أن العسكريين حكموا كثيراً، أو أن الأحزاب فشلت كثيراً، أو أن الإسلاميين دمّروا الدولة في العقود الأخيرة. هذه كلها أعراض مهمة، لكنها ليست الجذر الوحيد. الجذر الأعمق هو أن الدولة لم تُبنَ أصلاً على عقد اجتماعي عادل يعترف بكل شعوبها وثقافاتها وأديانها ولغاتها وحقوقها التاريخية.

ثانياً: من حركاة مطلبية إلى سؤال تحرري شامل

بدأت كثير من الحركات السودانية بوصفها حركات احتجاج على الظلم: ظلم التنمية، ظلم التمثيل السياسي، ظلم التمييز الثقافي، ظلم القمع العسكري. لكن مع تطور التجربة، أدركت بعض هذه الحركات أن المشكلة ليست في غياب الخدمات فقط، ولا في سوء نية حاكم بعينه، بل في طبيعة الدولة نفسها- ولكن البعض مكانك سر، لا يريد ان يتعلم للأسف!

لقد طرحت حركات الجنوب، ثم حركات جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور والشرق، أسئلة لم تكن النخب المركزية تريد سماعها، وبعضها لايزال:

من يملك تعريف السودان؟

من يقرر لغة الدولة وثقافتها؟

من يملك الأرض؟

من يملك الجيش؟

من يوزع الثروة؟

من يكتب التاريخ؟

ومن يُسمح له بأن يكون سودانياً كاملاً لا مواطناً ناقصاً؟

هذه الأسئلة هي التي نقلت السياسة السودانية من مستوى المطالب الإصلاحية إلى مستوى التفكير التأسيسي. ففي البداية كان المطلوب هو المشاركة في السلطة. ثم صار المطلوب هو إعادة النظر في كيفية الحكم. أما اليوم، وبعد الحروب المتكررة، وانهيار المركز، وتفكك المؤسسات، وصعود العنف الأهلي، وتسييس الدين والقبيلة، وانشار خطاب الكراهية، فقد صار المطلوب هو إعادة بناء الدولة نفسها.

تكمن أهمية رؤية السودان الجديد في أنها لم تكن برنامجاً سياسياً عابراً، بل إطاراً فكرياً يعيد تعريف السودان كفضاء تعددي لا كهيمنة مركزية. فهي ترى أن الأزمة ليست في إقليم بعينه، بل في بنية الدولة كلها، حيث لا يُفهم الهامش كجغرافيا فقط، بل كعلاقات تهميش، ولا المركز كمدينة، بل كنظام امتياز.

ثالثاً: من “من يحكم؟” إلى “كيف يحكم”؟

السؤال الأول: من يحكم السودان؟ كان سؤال مرحلة الدولة النخبوية.

كان الصراع يدور حول من يدخل القصر، من يسيطر على الجيش، من يشكّل الحكومة، من يحصل على الوزارة، ومن يمثل السودان في الخارج. ولذلك كانت الانقلابات العسكرية تجد دائماً مبرراً لها، وكانت الأحزاب تتعامل مع السلطة كغنيمة، وكانت التسويات السياسية تنتهي غالباً إلى إعادة تدوير الوجوه نفسها داخل البنية نفسها.

ثم جاء السؤال الثاني: كيف يُحكم السودان؟

وهذا السؤال طرح قضايا مهمة: الديمقراطية، الفيدرالية، الدستور، الحريات، الفصل بين السلطات، الانتخابات، الحكم المدني، اللامركزية. وهو سؤال ضروري، لكنه ظل في كثير من الأحيان محصوراً في هندسة السلطة لا في إعادة تأسيس الدولة. فقد يمكن أن تكون لدينا حكومة مدنية داخل دولة ظالمة. ويمكن أن تكون لدينا انتخابات داخل مجتمع غير متساوٍ. ويمكن أن تكون لدينا فيدرالية شكلية داخل مركز يحتفظ بالمال والسلاح والقرار. ويمكن أن يكون لدينا دستور جميل لا يغيّر ميزان القوة الفعلي…

هنا يحضر تحذير جان جاك روسو في “العقد الاجتماعي”: القوانين لا تصنع الحرية إذا لم تكن الإرادة العامة حاضرة، وإذا لم يشعر المواطنون أنهم جزء من الكيان السياسي. فالدولة ليست نصوصاً فقط، بل رابطة سياسية وأخلاقية. وإذا لم يشعر أهل جبال النوبة ودارفور والشرق والنيل الأزرق والشمال والوسط بأن الدولة دولتهم جميعاً، فإن الدستور يصبح ورقة، والانتخابات تصبح طقساً، والحكومة تصبح واجهة.

لذلك فإن سؤال “كيف يُحكم السودان؟” يجب أن يتطور إلى سؤال أعمق: ما هي الدولة التي نريد حكمها أصلاً؟

رابعاً: السؤال الجديد: كيف تُبنى الدولة؟

السؤال الآن لم يعد سؤال حكم فقط، بل سؤال تأسيس و بناء.

كيف تُبنى الدولة السودانية؟

هذا السؤال يتطلب الانتقال من السياسة بوصفها صراعاً على السلطة إلى السياسة بوصفها عملاً تأسيسياً. أي أن المطلوب ليس تغيير الحكومة فقط، بل بناء عقد اجتماعي جديد. وليس المطلوب وقف الحرب فقط، بل معالجة الشروط التي تجعل الحرب قابلة للتكرار. وليس المطلوب دمج الجيوش فقط، بل إعادة تعريف الجيش نفسه بوصفه مؤسسة وطنية خاضعة للدستور لا أداة أيديولوجية أو قبلية أو مركزية – جيش جديد. وليس المطلوب مصالحة شكلية فقط، بل عدالة تاريخية تعترف بالمظالم وتعيد توزيع السلطة والموارد والكرامة.

هنا يمكن الاستفادة من حنة أرندت، التي فرّقت بين العنف والسلطة. فالعنف قد يفرض الخضوع، لكنه لا يبني شرعية. والسلطة الحقيقية، في معناها العميق، تنشأ حين يجتمع الناس على تأسيس فضاء سياسي مشترك. الدولة التي تُبنى بالقصف والخوف والطاعة ليست دولة مستقرة، بل جهاز قهر مؤجل الانفجار.

ومن هنا فإن بناء الدولة في السودان يقتضي خمسة تحولات كبرى:

١/ من الهوية الأحادية إلى المواطنة المتساوية

٢/ من المركزية التاريخية إلى اللامركزية المؤسسة على الحقوق

٣/ من الدولة الدينية أو الأيديولوجية إلى الدولة المدنية العلمانية المحايدة تجاه الأديان

٤/ من احتكار النخبة للثروة والقرار إلى العدالة التاريخية والتنمية المتوازنة

٥/ من الجيش بوصفه مالكاً للدولة إلى الجيش بوصفه مؤسسة خادمة للدستور المبني علي المبادئ فوق الدستورية.

هذه ليست شعارات، بل شروط تأسيس.

خامساً: العلمانية ليست عداءً للدين بل شرط للمواطنة

من أكبر الأخطاء التي صنعت المأساة السودانية الخلط بين الدين والدولة. فقد جرى استعمال الدين لتحديد من هو المواطن الكامل، ومن هو المشكوك في ولائه، ومن هو القابل للإدماج، ومن هو الموضوع خارج الجماعة الوطنية. ومنذ قوانين سبتمبر 1983، ثم مشروع الإنقاذ، دخل السودان مرحلة تسييس كامل للدين، حيث تحولت العقيدة إلى أداة سلطة، وتحولت الدولة إلى جهاز وصاية أخلاقية وقانونية.

لكن الدولة الحديثة، كما فهمها فلاسفة الحكم، لا تستطيع أن تكون عادلة إذا انحازت دينياً. جون لوك، في رسالته عن التسامح، رأى أن وظيفة الدولة ليست خلاص الأرواح، بل حماية الحقوق المدنية. وجون رولز، في نظريته عن العدالة، يؤكد أن المجتمع العادل لا يُبنى على تصور أخلاقي أو ديني واحد يُفرض على الجميع، بل على مبادئ يمكن للمواطنين المختلفين قبولها باعتبارهم أحراراً ومتساوين.

في السودان، العلمانية ليست ترفاً فكرياً، بل شرط سلام. لأنها وحدها تمنع تحويل المسلم إلى مالك للدولة، والمسيحي أو صاحب المعتقد الأفريقي أو اللاديني إلى ضيف أو تابع. وهي أيضاً تحمي الدين نفسه من أن يصبح أداة حرب، وتحرر الإيمان من قبضة السلطة.

لذلك فإن السؤال ليس: هل السودان متدين أم لا؟ السودان مجتمع متعدد التدين والثقافات. السؤال هو: هل يجوز للدولة أن تتحول إلى ذراع لعقيدة واحدة؟ تجربة السودان تقول بوضوح: حين تفعل الدولة ذلك، تبدأ الحرب.

سادساً: العدالة التاريخية بوصفها أساساً لا ملحقاً

لا يمكن بناء دولة جديدة فوق ذاكرة مكسورة. فالذين يتحدثون عن “طي الصفحة” دون قراءة الصفحة يريدون غالباً حماية الذين كتبوا العنف. السودان يحتاج إلى عدالة انتقالية، نعم، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى عدالة تاريخية.

العدالة التاريخية تعني الاعتراف بأن بعض المجتمعات لم تُهمش صدفة، بل عبر سياسات طويلة: الاسترقاق، نزع الأرض، التمييز اللغوي والثقافي، الحرمان من التعليم، التمثيل الناقص، القصف، التجويع، الإبادة، وإعادة إنتاج الصور العنصرية عن الأطراف والقبائل والرعاة والزرقة والعبيد وغير العرب… وهكذا…

بول ريكور، في حديثه عن الذاكرة والتاريخ والنسيان، يذكرنا بأن النسيان غير العادل ليس مصالحة، بل جريمة ثانية. فالمصالحة لا تبدأ بمطالبة الضحية بالصمت، بل باعتراف الجاني، وكشف الحقيقة، وإصلاح الضرر، وبناء ضمانات عدم التكرار، وليكن هذا مفهوما للجميع.

ولهذا فإن بناء الدولة في السودان لا يمكن أن يتم عبر مؤتمر نخبوي في فندق، أو صفقة بين جنرالات، أو اتفاق محاصصة بين أحزاب. يجب أن يتضمن إعادة نظر في الأرض، والموارد، واللغة، والمناهج، والرموز الوطنية، والمؤسسات الأمنية، وخرائط التنمية، وتمثيل الشعوب الأصيلة والمجتمعات المتضررة من الحروب.

الدولة لا تُبنى بالمحو، بل بالاعتراف.

سابعاً: الجيش والدولة—من منطق الحراسة إلى منطق الخضوع للدستور

منذ الاستقلال، ظل الجيش السوداني يقدم نفسه بوصفه حارس الدولة، لكنه في الواقع أصبح في محطات كثيرة مالك الدولة. وهذه واحدة من أعقد مشكلات السودان. فحين يتحول الجيش إلى فاعل سياسي واقتصادي وأيديولوجي، لا يعود مؤسسة وطنية، بل يصبح حزباً مسلحاً.

تجارب العالم تقول إن بناء الدولة لا ينجح دون إعادة بناء المؤسسة العسكرية. في جنوب أفريقيا، لم يكن الانتقال من الأبارتهايد ممكناً دون إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية ضمن تصور دستوري جديد. وفي رواندا، رغم تعقيدات التجربة وملاحظاتها، جرى ربط إعادة بناء الدولة بإعادة بناء مؤسسات الأمن والإدارة. وفي تجارب أمريكا اللاتينية، كان إخضاع الجيش للسلطة المدنية شرطاً أساسياً للخروج من دورات الانقلاب.

في السودان، لا يكفي القول: “جيش واحد”. السؤال هو: أي جيش؟ وبأي عقيدة؟ وتحت أي دستور؟ ومن يمثل داخله؟ ولمن يخضع؟ وهل هو جيش لحماية الحدود والمواطنين، أم جيش لحماية امتيازات المركز؟

بناء الدولة يتطلب جيشاً وطنياً جديداً، لا جيشاً يعيد إنتاج العقيدة القديمة تحت اسم جديد. فالدولة لا تُبنى بجيش يرى بعض المواطنين تهديداً داخلياً دائماً. الدولة تُبنى حين يصبح كل مواطن جديراً بالحماية لا بالاشتباه.

ثامناً: الأرض والموارد بوصفهما قلب سؤال الدولة

من أخطر أخطاء السياسة السودانية أنها تعاملت مع الأرض بوصفها مسألة محلية أو قبلية، بينما هي في الحقيقة سؤال دولة. الأرض في السودان ليست مجرد مساحة جغرافية، بل ذاكرة، وهوية، وعيش، وسيادة، وعلاقة بين الإنسان والمكان.

في جبال النوبة ودارفور والنيل الأزرق والشرق، لم تكن النزاعات حول الأرض مجرد خلافات بين قبائل، بل كثيراً ما كانت نتيجة سياسات مركزية: قوانين أراضٍ، مشاريع استثمارية، عسكرة الإدارة الأهلية، تسليح جماعات ضد أخرى، وتجاهل نظم الملكية المجتمعية التقليدية.

لذلك فإن بناء الدولة الجديدة يتطلب الاعتراف بحقوق المجتمعات المحلية والشعوب الأصيلة في الأرض والموارد، لا بوصف ذلك امتيازاً قبلياً، بل بوصفه أساساً للسلام المستدام. فالدولة التي تنزع الأرض من المجتمعات، ثم تطالبها بالولاء، تبني الحرب بيدها.

وهنا تصبح اللامركزية ليست مجرد تقسيم إداري، بل فلسفة حكم. اللامركزية الحقيقية تعني أن المجتمعات لها حق في إدارة مواردها، وحماية ثقافاتها، والمشاركة في القرار الذي يمس حياتها. أما اللامركزية الشكلية فهي مجرد مكاتب محلية تنتظر أوامر المركز.

تاسعاً: من الثورة كحدث إلى التأسيس كمسار

منذ انتفاضة أكتوبر 1964، ثم انتفاضة أبريل 1985، ثم ديسمبر 2018، ظل السودانيون يثبتون قدرة عظيمة على إسقاط الطغاة. لكن المشكلة أن إسقاط النظام لم يكن يتحول غالباً إلى إعادة بناء الدولة. كانت الثورة تنتصر في الشارع، ثم تُهزم في طاولة التفاوض، أو داخل جهاز الدولة القديم، أو أمام تحالف العسكر والنخب التقليدية.

هنا يجب التمييز بين الثورة/الانافاضة كحدث والثورة كتأسيس.

الثورة كحدث تُسقط رأس النظام.

أما الثورة كتأسيس فتسأل: ما الدولة البديلة؟ ما العقد الاجتماعي؟ ما علاقة الدين بالدولة؟ ما وضع الجيش؟ ما حقوق الأقاليم؟ ما العدالة التاريخية؟ ما ضمانات عدم العودة إلى الحرب؟

أنطونيو غرامشي تحدث عن لحظات الأزمة التي يموت فيها القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد بعد. السودان يعيش هذه اللحظة منذ زمن طويل. القديم يحتضر بعنف، والجديد لم يتحول بعد إلى مؤسسات راسخة. لذلك تظهر الوحوش: مليشيات، خطاب كراهية، حروب أهلية، نخب انتهازية، تدخلات خارجية، ودعايات دينية وقبلية.

مهمة مشروع السودان الجديد، وكل مشروع تحرري جاد، ليست رفض القديم فقط، بل تحويل الجديد إلى مؤسسات وقوانين ومناهج وتعليم واقتصاد وثقافة سياسية.

عاشراً: التجارب الإنسانية ودروس بناء الدولة

لا توجد تجربة يمكن نقلها حرفياً إلى السودان، لكن هناك دروساً حاسمة. فجنوب أفريقيا أظهرت أن بناء الدولة يتطلب مواجهة الماضي عبر ذاكرة أخلاقية لا إنكارها. في بوليفيا، مثّل الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي شرطاً لإعادة تعريف الدولة. أما رواندا، فبيّنت أن الخروج من العنف الجماعي يحتاج إلى إعادة بناء مؤسسي صارم.

خلاصة هذه التجارب أن بناء الدولة لا يتم إلا بتكامل ثلاثة شروط: رؤية فكرية واضحة، شجاعة سياسية، ومؤسسات قادرة على ترجمة الرؤية إلى واقع.

خاتمة: السودان لا يحتاج إلى حاكم جديد فقط، بل إلى دولة جديدة

لقد استنفد السودان سؤال “من يحكم؟” لأن كثيرين حكموا، ولم تتغير بنية الظلم. واستنفد جزئياً سؤال “كيف يُحكم؟” لأن نظم الحكم يمكن أن تتبدل دون أن تمس جوهر الدولة. أما السؤال الذي لا مهرب منه اليوم فهو: كيف تُبنى الدولة؟

هذا السؤال يفرض علينا أن نذهب إلى الجذور: إلى الهوية، والمواطنة، والدين، والجيش، والأرض، والذاكرة، والعدالة، والموارد، والتعليم، واللغة، والرموز، والمركز والهامش. فلا سلام بلا تأسيس، ولا ديمقراطية بلا عدالة تاريخية، ولا وحدة بلا اعتراف، ولا جيش وطني بلا دستور جديد، ولا دولة بلا مواطنين متساوين.

إن رؤية السودان الجديد ليست مجرد شعار سياسي، بل محاولة لإعادة طرح السؤال الصحيح في الزمن الصحيح. والسؤال الصحيح لم يعد: من يجلس في القصر؟ بل: كيف نمنع القصر من أن يكون ملكاً لفئة واحدة؟ كيف نبني دولة لا تحتاج إلى قمع أطرافها لكي تبقى؟ كيف نؤسس وطناً يرى في تعدده مصدر قوة لا سبباً للحرب؟

السودان القديم سأل: من يحكم؟

والسودان الانتقالي سأل: كيف نحكم؟

أما السودان الجديد، إذا أراد أن يولد حقاً، فعليه أن يسأل: كيف نبني دولة عادلة من الأساس؟

وهذا هو سؤال المستقبل. بل هو شرط النجاة.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

شارك هذا الموضوع:

  • انقر للمشاركة على فيسبوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
  • النقر للمشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X

معجب بهذه:

إعجاب تحميل...
Tags: اخبار الدعم السريعاخبار السودان العاجلةاخبار حرب السودانحرب السودان
Share282Tweet176SendShare
الرئيس الروسي بوتن

وسائل إعلام روسية تتحدث عن تدمير منظومة دفاع جوي تركية في السودان

23 مايو، 2026
العميد محمد آدم البنجوس يقود حملة الظةاهر السالبة بزالنجي

حملة أمنية بوسط دارفور تضبط أسلحة في طريقها للتهريب إلى دول الجوار

23 مايو، 2026
تحقيقات مع «السافنا» في الرياض عقب تسريب فيديو

تحقيقات مع «السافنا» في الرياض عقب تسريب فيديو

23 مايو، 2026
صباح محمد الحسن

صباح محمد الحسن تكتب: الخفاء أم العلن!!

23 مايو، 2026
خالد كودي

من سؤال السلطة، من يحكم وكيف يحكم إلى سؤال التأسيس: كيف تُبنى الدولة في السودان؟

23 مايو، 2026

© 2025 rmc-sudan.net

No Result
View All Result
  • الأخبار
  • التقارير
  • الرياضة
  • المنوعات
  • الانباء الصحية
  • الرأي
  • انفوغرافيك
  • Home-EN

© 2025 rmc-sudan.net

%d