زينب حسن سعيد
بينما تتصاعد أعمدة الدخان فوق الخرطوم، وتُستباح دماء السودانيين في أزقة المدن المنهكة، تدار معركة من نوع آخر في الغرف المكيفة وراء الحدود؛ معركة لا تُستخدم فيها الدبابات، بل تُدار بحقائب الأموال، والشركات الوهمية، والضمائر المعروضة في مزاد الحرب المفتوح.
الحرب في السودان اليوم لم تعد صراعاً عسكرياً تقليدياً على السلطة، بل تحولت إلى “اقتصاد دم” متكامل الأركان، تقوده شبكات جريمة منظمة عابرة للحدود، اختطفت قرار الدولة ومؤسساتها، وحولت المأساة الوطنية إلى دفتر شيكات مفتوح.
التمويه المزدوج.. وفضح الازدواجية السياسية
لطالما اعتمدت الآلة العسكرية في السودان على إمبراطورية مالية موازية. ولكن الإعلان الحاسم للنائب العام في دولة الإمارات بإحالة 19 متهماً و6 شركات إلى القضاء، بتهم غسيل الأموال والاتجار غير المشروع في العتاد العسكري نحو سلطة بورتسودان، أسقط ورقة التوت عن ازدواجية القيادة الحالية، ونقل ملف تسليح الجيش من خانة “التحليل السياسي” إلى أروقة “الجنايات الدولية”.
تكمن المفارقة الصارخة في التناقض بين الخطاب الإعلامي لقيادة بورتسودان، الذي يشن هجوماً مستمراً وممنهجاً على الإمارات، وبين الواقع الاستخباراتي الذي كشفته التحقيقات؛ إذ كانت ذات القيادة تحاول سراً، وبطرق احتيالية، استغلال البنية التحتية والمالية والمطارات (عبر طائرات خاصة) للدولة التي تهاجمها لتمرير صفقات الموت. إنه التخبط في أبشع صوره، حين تتحول قيادات المشهد إلى إدارة شبكات تهريب.
غسيل التجارة والواجهات المدنية
لم تعد عمليات التسليح تُدار عبر وزارتي الدفاع والمالية، بل عبر “غسيل التجارة”. كشفت التحقيقات عن تكتيكات مافياوية بامتياز؛ إذ جرى في الصفقة الأولى الاتفاق على توريد بنادق كلاشينكوف ومدافع وقنابل بقيمة معلنة بلغت 13 مليون دولار، بينما قيمتها الفعلية 10 ملايين فقط. هذا الفارق (3 ملايين دولار) تم تخصيصه كعمولات سوداء مُررت عبر حسابات ومعاملات صورية، لتُستخدم متحصلاتها لاحقاً لشراء ذخائر (جيرانوڤ).
هذه الشبكة استخدمت 6 شركات مسجلة بأسماء مدنية وتجارية بحتة (مثل أبولارا لتجارة الإلكترونيات، وردة المسرة، بورتيكس تريد ليمتد، سودامينا، يلو ساند، وشركة راشد عمر للوساطة) كواجهات لإخفاء الطابع العسكري للصفقات. هذا النمط يؤكد أن الحرب تدار عبر اختطاف كامل للمؤسسات الاقتصادية والمدنية وتحويلها إلى مجرد أغطية لجرائم غسيل أموال عابرة للحدود.
التحالف غير المقدس: خصخصة قرار الحرب
قائمة المتهمين في هذه الشبكة لم تكن مجرد أسماء عشوائية، بل هي تشريح دقيق لـ “التحالف غير المقدس” الذي يخنق السودان ويصادر قراره السيادي. ظهور اسم صلاح قوش، مدير المخابرات الأسبق وأحد أبرز رموز النظام السابق، وأسماء أخرى مثل أحمد خلف الله، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن قرار الدولة مختطف تماماً.
الدولة العميقة وأجهزتها الأمنية السابقة وضعت بنك معلوماتها وشبكاتها المالية في خدمة تيار متشدد يسعى لاحتكار السلطة على جماجم المدنيين. لقد تمت “خصخصة” قرار الحرب بالكامل، وأصبح الاعتماد على سماسرة الظل بديلاً عن مؤسسات الدولة النظامية.
من خيانة المعتصمين إلى تجارة الموت.. تاريخ من السقوط الأخلاقي
غير أن الفصل الأكثر إيلاماً ومرارة في هذه المأساة، يتمثل في ورود اسم أحمد ربيع ضمن خلية الاتهام. لمن يقرأ التاريخ القريب، فإن هذا السقوط لم يكن وليد اللحظة، بل هو امتداد لتاريخ غير أخلاقي من الانتهازية واختطاف المؤسسات، وخيانة مطلقة لثقة الشعب والثوار الذين فوضوه ليوقع الوثيقة الدستورية نيابة عنهم، تقديساً لرمزية المعلم ودوره الرسالي الذي دنسه بهذه التحالفات المشبوهة.
فأحمد ربيع، الذي تصدر المشهد النقابي يوماً، تحوم حوله اتهامات تاريخية بـ خيانة قواعده ليلة فض اعتصام القيادة العامة؛ إذ رسخت شهادة القيادية (ومضة كمال) حول تلقيها اتصالاً تحذيرياً منه لمغادرة الساحة قبل المجزرة، حقيقة وجود علم مسبق وتنسيق أمني، غلّب فيه نجاته الشخصية وتسوياته السياسية على دماء المعتصمين.
لم يتوقف مسلسل السقوط عند هذا الحد، بل امتد لضرب المؤسسات الخدمية التي بُنيت بعرق المعلمين. تحت إدارة ربيع والواجهات النقابية المسيسة المرتبطة به، تم اختطاف “مستشفى المعلم” – الصرح التكافلي المجاني – وتحويله إلى إقطاعية استثمارية تجارية مغلقة في وجه المعلمين، لتُمارس من خلالها أبشع أنواع الإقصاء والتهميش في ظل غياب تام للشفافية والمساءلة المالية.
وقد تطلب إنهاء هذا العبث الإداري معركة قانونية شرسة قادتها الأستاذة سلافة النور عبد الله النور (رئيس لجنة تسيير نقابة التعليم)، والتي نجحت في كسر احتكار تلك الإدارات، واسترداد “مدينة المعلم الطبية” وفرض سيادة القانون بالقوة الجبرية، لتنهي حقبة مظلمة من الابتزاز السياسي والاستخفاف بحقوق المهنيين.
اليوم، تكتمل حلقة هذا الانحدار المؤسف. من سلب المعلمين مستشفاهم وحقوقهم، وخان دماء المعتصمين وثقة الثوار، لا يتورع اليوم عن التوقيع على فواتير مزورة ومضخمة لغسيل الأموال وشراء الذخائر. لقد استعان تحالف الحرب وشبكات النظام السابق بواجهته “المدنية” لتسهيل المرور عبر البنوك، في استغلال بشع للرصيد الثوري. اليد التي كان يُرتجى منها أن تساهم في إرساء مؤسسات تعليمية ومهنية مستقلة، تلطخت بتهريب المدافع التي تدك أسوار الجامعات والمدارس وتقتل الطلاب.
خلاصة القول
لا يمكن الحديث عن أي “حل سوداني” حقيقي واستعادة للمسار المؤسسي دون مواجهة هذا الغول المالي وهذا الخراب القيمي. المعركة اليوم ليست من أجل كسب أراضٍ جديدة، بل من أجل تفكيك شبكات الجريمة العابرة للحدود التي تمول هذه الحرب وتشتري الذمم. إن تجفيف منابع اقتصاد الدم، وملاحقة سماسرة الحرب وغاسلي الأموال عبر القضاء الدولي هو الخطوة الأولى والوحيدة لإنقاذ ما تبقى من السودان.





