تظل قضية الأسرى في هذه الحرب من أكثر الملفات إلحاحا، لكنها في المقابل من أكثرها غيابا عن النقاش العام لدى مختلف الأطراف السياسية. هذا الصمت لا يمكن اعتباره حيادا، بل يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول ما يتم إخفاؤه، ولماذا لايطرح هذا الملف بوضوح ومسؤولية حتى الآن.
التجربة السودانية مع الحروب الأهلية تظهر أن ملف الأسرى لم يكن يوما قضية هامشية، إذ شهدت فترات سابقة، خصوصا قبيل وبعد اتفاق نيفاشا، عمليات تبادل وإطلاق سراح أسرى من قبل الحركة الشعبية ضمن سياقات تفاوضية، ما يعكس إدراكا مبكرا لأهمية هذا الملف إنسانيا وسياسيا.
كما تكررت هذه الممارسة في حالات لاحقة، مثل ما جرى بعد معركة أبوكرشولا، حين أفرجت الحركة الشعبية عن عدد من الأسرى، من بينهم “شهيد” يدعي البيروني بابكر الذي اقيم له عرسا للشهيد، بجانب ”شهاب برج”، وهو ما يجعل تجاهل هذا الملف في الواقع الحالي أمرا غير مفهوم.
في هذه الحرب ، تتزايد الروايات حول أوضاع الأسرى لدى الجيش و”الكيزان”، إلا أن الفارق اللافت هو غياب الشفافية وتباين المعلومات. ففي الوقت الذي أعلن فيه الدعم السريع عن إطلاق عدد من أسرى الجيش، لا توجد بيانات رسمية واضحة حول مصير أسرى الدعم السريع أو المدنيين المنحدرين من مناطق غرب السودان.
هذا الغياب للمعلومة لا يمكن فصله عن مسؤولية قيادة الجيش وتيارات الإسلاميين المتحالفة معه، خاصة في ظل إنتهاكات خطيرة ضد المدنيين من ذبح و”بغر” للبطون ، ما يطرح سؤالًا مباشرًا: أين هم الأسرى؟ وما هو وضعهم القانوني والإنساني إن كانوا موجودين؟
الأخطر من ذلك ما يتم تداوله من شهادات وتقارير حول انتهاكات جسيمة بحق محتجزين ومدنيين، وهي اتهامات تشكل، خرقًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني. والتعامل معها بالتجاهل أو النفي العام لا يلغيها، بل يعزز الحاجة إلى تحقيقات مستقلة وشفافة.
في هذا السياق، تتحمل قيادة الجيش و”الكيزان” مسؤولية أخلاقية وسياسية في توضيح موقفها من هذا الملف، بدل الاكتفاء بالصمت،كما أن القوى المنضوية في تحالف بورتسودان، بما في ذلك المجموعات العسكرية والسياسية المتحالفة، مطالبة بتقديم إجابات واضحة.
وبالمثل، فإن تحالف “صمود” والقوى المشاركة في المبادرات الإقليمية “السعودية”، بما فيها تلك المدعومة من أطراف دولية وإقليمية، مدعو للتعامل بجدية ووضوح مع ملف الأسرى، باعتباره جزءا أساسيا من أي تسوية سياسية، وليس قضية ثانوية يمكن تأجيلها.
إن أي مسار سياسي أو تفاوضي لن يكون مكتملا ما لم يضع قضية الأسرى في قلب أولوياته، فهذه المسألة ليست مجرد ملف إنساني، بل اختبار حقيقي لجدية أي حديث عن السلام.
إن استمرار الغموض حول مصير الأسرى يعكس أزمة أعمق تتعلق بالشفافية والمساءلة. ومن هنا، فإن فتح هذا الملف أمام الرأي العام، ومطالبة الجيش والكيزان بتوضيحات واضحة، يمثل خطوة ضرورية لا يمكن تجاوزها إذا كان الهدف بناء مسار سياسي قائم على الحد الأدنى من الثقة والاعتراف بالكرامة الإنسانية.




