نجم الدين سراج
ولا عجب أن تطاولت سنوات الحرب فكشفت القناع عن مدعي المبدئية بعد أن صار الصبر عليها أكبر مما قدرة ضعاف النفوس على التحمل، فبمثلما تتساقط الأوراق الذابلة التي لا تقوى على تحمل رياح التغيير، يبقى الصامدون القابضون على جمر القضية حتى نهاية الشوط، ولذا يتجاهل التاريخ صغار الهمم حين يدخلونه من باب الخدم، وسرعان ما يكونون نسياً منسيا.
لكن الضجة التي أثارتها الغرف الإعلامية الإخوانية عن انشقاق القائد الميداني (علي رزق الله السافنا) من قوات الدعم السريع وانحيازه لمعسكر بورتسودان، قطعت شوطاً بعيداً في التهويل من حجم الحدث.فبشهادة السافنا نفسه لم يؤيده جندي واحد من قوات الدعم السريع في موقفه هذا، ولم يأت السافنا بسلاح ولا عتاد عسكري لحلفائه الجدد، ولا هو مسيطر على منطقة من المناطق ،يمنحها للجيش عربوناً لانقلابه على ولائه القديم، والذي لم يجد صعوبة في إنكاره من الأساس.
وفي حين صورت الغرف الإعلامية الإخوانية الأمر وكأنه انشقاقاً داخل قوات الدعم السريع، كانت الحقيقة أن السافنا الذي أعلن انسلاخه من داخل السفارة السودانية بالمملكة العربية السعودية قادماً لتوه من رحلة علاج بالهند تكفلت بها قوات الدعم السريع. ويبدو أن إخوان بورتسودان قد تواصلوا معه حينها، فآثر أن يحول ولاءه لعدوه، وربما شاركهم كقائد ميداني في قتل أولي القربى ،لكن الثابت أن السافنا قد فعل ذلك وحيداً، ما يجرد انسلاخه من أهميته أو من معظمها إن شئت.
ويعيد انسلاخ السافنا للأذهان انشقاق قائدين ميدانيين للدعم السريع من قبله هما (أبو عاقلة كيكل)،و (النور القبة). أما (كيكل)، وعلى الرغم من وصف الغرف الإعلامية لتحالف بورتسودان لانضمامه للجيش بأنه (ضربة قوية للدعم السريع)، كونه أول انشقاق لقائد رفيع المستوى، فبخلاف التآمر لاغتيال القائد الميداني للدعم السريع (عبد الرحمن البيشي في 2024 بمنطقة سنار، لم يرى له الناس لأثراً في الميدان، وسرعان ما صار عبئاً على الجيش نفسه، حين فرض الاتحاد الأوروبي وبريطانيا عقوبات عليه بتهم ارتكاب انتهاكات جسيمة، شملت حرق المنازل وقتل المدنيين، التطهير العرقي، والتهجير القسري ضد سكان الكنابي في ولاية الجزيرة، وما قد يضع الجيش نفسه تحت طائلة العقوبات الدولية.
وأما (النورالقبة) فلم يسمع أحد عنه شيئاً منذ انشقاقه عن قوات الدعم السريع سوى خبر زواجه ،واسترداده لمنزله المغصوب من حلفاء الأمس أعداء اليوم، أو مناكفاته مع مليشيا القوات المشتركة، وتنافسه معها في أيهما أقرب للبرهان، وإغراقه لمعسكر بورتسودان بمزيد من التباينات، جعلته في أضعف حالاته .
واليوم يعلن المدعو علي رزق الله “السافنا” انحيازه لقوات الجيش، ضارباً بعرض الحائط كل ما كان يتشدق به من حديث عن الثبات على المبدأ، وعن أنه وفي حالة تركه لقوات الدعم السريع سيجلس في بيته،لكن يبدو أن مغريات بورتسودان كانت أعظم من كل العهود والمواثيق التي قطعها على نفسه، وعلى رؤوس الأشهاد.
تحدث السافنا عن الإهمال والتمييز وهو القادم لتوه من رحلة علاج بالخارج على حساب مؤسسة الدعم السريع، مع حديث غامض عن عدم السماح له بالإدلاء برأيه وهو أكثر القادة الميدانيين حرصاً على الظهور الإعلامي، والمشاركة في المجموعات التي تضم مناصري الدعم السريع ما يناقض كل ما ذهب إليه من مسوغات لوقفه.
ويعلم السافنا قبل غيره أن قبائل السودان ومكوناته انصهرت في بوتقة واحدة داخلقوات الدعم السريع، هدفها الأسمى هو تحرير القرار الوطني من قبضة “عصابة بورتسودان، وأن ميثاق ودستور تحالف السودان التأسيسي قد نادى بالهوية الوطنية الجامعة والمواطنة بلا تمييز، لكن الطعام على مائدة بورتسودان أدسم بلا شك، ومجاني ولا يستدعي سوى الرضوخ ، وقول( نعم) لكي تزيد (النِعم).
إن تهويل سلطة بورتسودان من أمر انضمام السافنا لها لا يقف على ساقين، ولا يعدو أن فرداً من قوات الدعم السريع قد اختار طوعاً أن يوالي عدوه، وأن العاقبة في ذلك تعود عليه وحده، وما قد يصير إليه أمره حين يصير في قبضة الجيش. لكن التعطش للانتصار الكذوب هو ما يجعل تحالف بورتسودان الهجين يصنع (من الحبة قبة)، ومن تحويل السافنا لولائه، انتصاراً يحتفي به الإخوة الأعداء في نشوة لا تتناسب مع حجم الحدث.




