رشا عوض
هناك مقطع فيديو مصري متداول يتحدث عن نتائج اقتصادية وجيوسياسية واحلام عظيمة في الرفاهية يمكن تحقيقها لو اندمجت مصر والسودان في دولة واحدة!
يجب ان لا نستخف بالامر ونقول هذه احلام زلوط او احلام الفتى الطائر !! لان العقل الباطن وحتى الوعي المباشر للسياسة المصرية تسيطر عليه فكرة ان السودان كنز مصر المفقود ولو استعادته كليا او جزئيا ستحل ازماتها الاقتصادية.
بكل اسف لو مضى السودان نحو التقسيم بقيادة العصابة الكيزانية ومعاتيه دولة النهر والبحر فان كل مناطق شمال ووسط وشرق السودان ستكون محافظات جنوبية لمصر!!
تاريخيا تبلورت فكرة تحرير السودان من الاستعمار التركي المصري في شمال السودان في شخص الامام المهدي، ولكن التحرير لم يتحقق الا عندما تلاحم الشمال مع الغرب الكبير ومع الشرق كذلك، هذه اللحمة لو انقطعت سينتهي عهد السودان الحر المستقل!!
يجتهد العقل السياسي السوداني المصنوع على اعين الخديوية وورثتها ( تيراب محمد علي باشا) في شيطنة غرب السودان وتصويره كوحش ومصدر خطر لا يؤمن شره الا بقمعه باقصى درجة ممكنة! انطلاقا من مخيال شعبوي عنصري ومن ذاكرة القمع الذي مارسته الدولة المهدية، ذلك القمع تم تصويره كعنف مورس حصريا على الشمال والوسط لاسباب اثنية، في حين ان قمع المهدية لم يستثن الغرب وكان شاملا لكل السودان، فالدولة المهدية نتاج سياقها التاريخي في القرن التاسع عشر وبيئتها السودانية .
من مطلوبات النضج السياسي في السودان قراءة تاريخ الثورة المهدية بعيون سودانية وعقول متحررة من اسر الدعاية الخديوية ، قراءة نقدية تستخلص المحتوى التحرري للمهدية وتعترف بالعيوب البنيوية لدولة المهدية التي كانت كابحا ذاتيا يجعلها غير قادرة على العبور بالسودان الى القرن العشرين ، وفي هذا السياق يجب ان يبرز مشروع للتعافي الوطني يتضمن اعتذارا عن مظالم الدولة المهدية ضد كل مكونات الشعب السوداني، وبذلك يتمسك السودانيون بلحمة الشمال والوسط والغرب كضرورة تحرر واستقلال.
الان في ظل هذه الحرب اللعينة انتقل التفكير من قمع الغرب الى فصله والاستغناء عنه اسوة بالجنوب! والدعاية المصاحبة لمشروع التقسيم هي ان كل الغرب جنجوييد! مع اهدار حقيقتين في غاية الاهمية، وهما ان الجنجوييد انفسهم صنيعة ” الشمال السياسي السوداني ” في نسخته الاعنف ممثلة في نظام الحركة الاسلامية اسما الاجرامية فعلا، وعندما اقول ” الشمال السياسي” فانني لا اقصد المكونات الاثنية لشمال السودان ، بل اقصد على وجه التحديد انظمة الحكم العسكرية التي جعلت الدولة السودانية مختلة في توازنها التنموي، ومؤسساتها الامنية والعسكرية والسياسية مختلة في التوازن القومي ولا سيما على مستوى القيادة العليا وصنع القرار .
اما الحقيقة الثانية التي يغفلها من يختزلون الغرب في الجنجوييد هي ان الجنجوييد مارسوا عنفهم الاكثر غلظة في غرب السودان لا في شماله! ووجد عنف الجنجويد في الغرب غطاء سياسيا وعسكريا وامنيا من نظام تلك الحركة الاجرامية التي تتنصل الان من مسؤوليتها عن العنف بعد ان فشلت في صرف العفريت الذي صنعته بيديها! تتنصل من المسؤولية عبر تعليقها على رقبة دارفور وتزعم ان الحل يكمن في فصلها!! رغم ان هناك حركات دارفورية حاربت مع الجيش والكيزان حرب كرامتهم المزعومة هذه وقدمت الاف القتلى من شبابها وعرضت مجتمعاتها لابشع الانتهاكات !! فما هو مصير هؤلاء في مشروع التقسيم؟
الازمة لا تكمن في اقليم دارفور ولا تكمن في اي اقليم في الشمال او الشرق او الجنوب! الازمة هي ازمة نظام حكم ومؤسسات دولة معطوبة على رأسها المؤسسة الامنية والعسكرية وبلغت هذه الازمة ذروتها عندما استولت ” الفاشية السودانية ” ممثلة في الحركة الاسلامية اسما الاجرامية فعلا ، نظام هذه الحركة الاجرامية تسبب في تعميق كل الازمات في الدولة السودانية وخلق ازمات جديدة وبلغت درجة العطب في الدولة درجة الاستخفاف بالوحدة الوطنية والاستعداد التام للتضحية باي اقليم سوداني مقابل هيمنة العصابة الكيزانية على السلطة! بلغت درجة العطب ان تشتغل الاجهزة الامنية والاستخباراتية في صناعة الفتن القبلية والاثنية في سياق سياسة فرق تسد وكأنما هي اجهزة استعمارية لا اجهزة دولة وطنية يجب ان تتعامل مع الفتن التي تغذي الانقسامات وتدفع الى تقسيم البلاد كجرائم موجهة ضد الدولة!! بلغ العطب في الدولة درجة ان تحتضن الاجهزة الامنية والعسكرية التنظيمات الانفصالية مثل ما يسمى بمنبر السلام العادل الانفصالي ثم ما يسمى الان بدولة النهر والبحر ( والفكر الذي يقف خلفها غير مؤهل لاقامة دولة خور وترعة ناهيك عن نهر وبحر)
السؤال التاريخي: هل ننجو من الفاشية بوطننا موحدا؟
كانت الاجابة لا في ٢٠١١ !!
هل لدينا القدرة على تقديم اجابة مختلفة بعد حرب ١٥ ابريل ٢٠٢٣ الاجرامية؟ ام ستكمل الفاشية تقسيمنا مجددا وتتحول اقاليم السودان الى مستعمرات ملحقة بالطامعين وما اكثرهم؟





