دكتور الوليد آدم مادبو
لم تعد الأزمة السودانية قابلة للقراءة بأدوات “الجودية” التي نشأت في سياقات اجتماعية بسيطة، حيث كان النزاع محدودًا، والفاعلون معروفين، والتوازنات قابلة للترميم بالكلمة الطيبة والوساطة الأخلاقية. نحن اليوم أمام جغرافيا سياسية لا تُدار بالنيات، بل بالأنهار التي ترسم حدود القوة، وبالموانئ التي تُحدد اتجاه الريح، وبالثروات التي تُغري الخرائط بأن تُعاد رسمها.
إن من يتأمل الخرائط القديمة—لا بوصفها وثائق تاريخية، بل باعتبارها مرايا للوعي الإمبراطوري—يدرك أن السودان لم يكن يومًا كتلةً صمّاء، بل عقدة مائية-زراعية-معدنية تتقاطع عندها مصالح العالم الأفريقي والعربي. فالنيل، بفرعيه الأزرق والأبيض، ليس مجرد مجرى ماء، بل شريان سيادة. والساحل الشرقي ليس مجرد امتداد جغرافي، بل بوابة تُقاس بها قيمة الدولة في ميزان التجارة الدولية. أما كردفان ودارفور، فليستا هامشًا كما توهمت النخب، بل خزانًا استراتيجيًا للغذاء والطاقة والمعادن.
من هنا، فإن ما يبدو اليوم كفوضى داخلية، ليس إلا انعكاسًا لصراعٍ صامت بين محاور إقليمية تتقاطع فوق الأرض السودانية. محورٌ أول تتداخل فيه حسابات مصر والسعودية وقطر وتركيا، ومحورٌ ثانٍ تتحرك فيه إسرائيل وإثيوبيا والإمارات وأرض الصومال، في سباقٍ لا يتعلق بوحدة السودان أو تفككه بقدر ما يتعلق بكيفية توزيع موارده ومن يتحكم في مفاتيحها.
في هذا السياق، لا يعود النيل الأزرق مجرد مجرى مائي، بل يتحول إلى مسرح عملياتٍ مكتمل الأركان. فخزان الرصيرص ليس منشأةً هندسية فحسب، بل عقدة تحكمٍ في تدفق المياه التي تُغذي مشروع الجزيرة، وتضبط إيقاع الزراعة في قلب السودان، وتمتد آثارها—بصورة مباشرة—إلى معادلة الأمن الغذائي في وادي النيل بأكمله. إن السيطرة العسكرية على خزان الرصيرص، أو حتى التهديد بها، تعني امتلاك ورقة ضغط سيادية تتجاوز حدود الداخل، لتلامس حسابات القوى الإقليمية، وعلى رأسها مصر التي تدرك أن أي اختلال في هذا المرفق ينعكس فورًا على توازنها المائي والغذائي.
وكذلك الحال في خزان سنار، الذي يشكل حلقةً مكملة في منظومة التحكم في النيل الأبيض، حيث لا تقتصر أهميته على الري، بل تمتد إلى تثبيت استقرار تدفقات المياه نحو الشمال. إن اقتراب أي قوة عسكرية من هذه المنطقة لا يُقرأ كتحركٍ تكتيكي معزول، بل كاقتراب من مفصلٍ استراتيجي يُعيد تعريف السيطرة على الوسط السوداني برمته.
وفي الشرق، حيث يلتقي البحر بالثروة الكامنة، يتجلى شكلٌ آخر من الصراع. تعطيل مشاريع الطاقة ليس قرارًا اقتصاديًا بريئًا، بل أداة لضبط إيقاع النفوذ. فالدول التي تخشى صعود منافسٍ جديد في سوق الطاقة، لا تحتاج إلى إعلان الحرب؛ يكفيها أن تُبقي هذا المنافس في حالة عجزٍ دائم. وهنا، لا يعود السؤال: لماذا تعثر الشرق؟ بل: من المستفيد من تعثره؟
أما في كردفان، حيث تختلط الرمال التي تُصنع منها ألواح الطاقة بثروات الحيوان والزراعة، فإن المعركة تأخذ طابعًا أكثر تركيبًا. من يسيطر على هذه المنطقة، لا يملك فقط موارد حالية، بل يمتلك موقعًا متقدمًا في اقتصاد المستقبل. ولهذا، فإن أي مقايضة جغرافية غير محسوبة—تحت ضغط اللحظة أو إغراء المكسب السريع—قد تتحول إلى تنازل استراتيجي يصعب استرداده.
غير أن أخطر ما في المشهد ليس تعدد الأطماع، بل غياب الرؤية الوطنية القادرة على تحويل هذا التعقيد إلى فرصة. فالدول لا تُحمى بالشعارات، ولا تُدار بالحنين. إن استدعاء خطاب وجداني من قبيل “مصر يا أخت بلادي” لم يعد كافيًا لتفسير واقع تتقدم فيه المصالح على الروابط، وتُختبر فيه السيادة بقدرة الدولة على حماية مواردها لا ببلاغة خطابها.
لقد كشفت التجربة أن المؤسسة العسكرية، كما تشكلت تاريخيًا، لم تكن دائمًا تعبيرًا خالصًا عن الإرادة الوطنية، بل نقطة تقاطع لتأثيرات خارجية، ما يجعل إعادة تعريف مفهوم السيادة ضرورة لا ترفًا. السيادة هنا ليست شعارًا، بل قدرة عملية على اتخاذ القرار بمعزل عن الإملاءات، وعلى إدارة الموارد وفقًا لأولويات الداخل لا ضغوط الخارج.
من هذا المنظور، فإن إبطال خطة التقسيم لا يتحقق برفضها خطابيًا، بل بإفراغها من مضمونها الاستراتيجي. أي بتحويل السودان من ساحة تنازع إلى فاعلٍ يمتلك زمام المبادرة. وهذا يقتضي، أولًا، إعادة ترتيب الأولويات على أساس جيو-استراتيجي: حماية عقد المياه، تأمين الساحل، واستثمار موارد كردفان ودارفور بوصفها ركيزة الاستقلال الاقتصادي.
ثانيًا، يتطلب الأمر بناء تحالفات مرنة، لا تُبنى على العاطفة أو الأيديولوجيا، بل على تقاطع المصالح. فالعالم لا يعترف إلا بمن يملك ما يقدمه. والسودان—بموارده وموقعه—قادر على أن يكون شريكًا لا تابعًا، إذا أحسن قراءة أوراقه.
ثالثًا، وهو الأهم، الحاجة إلى قيادة تمتلك رؤية استراتيجية، صاحبة عزيمة، وقدرة على الانتقال من الفوضوية إلى مفهوم الدولة المؤسسية. قيادة تدرك أن التوافق، حين يُفرض في غير سياقه، قد يصبح غطاءً لإعادة إنتاج الأزمة، وأن الحسم—حين يُبنى على رؤية—قد يكون الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من الكيان.
في النهاية، فإن الحرب الجارية في السودان لم تعد مجرد صراعٍ على المدن أو مراكز الحكم، بل تحولت—في أحد مستوياتها العميقة—إلى سباقٍ للسيطرة على البنية التحتية للمياه: السدود، القنوات، ومفاصل الري. ومن ينجح في فرض نفوذه على هذه الشبكة، لا يربح معركةً ميدانية فحسب، بل يضع يده على قلب الدولة النابض، حيث تُصنع القدرة على الاستمرار، أو يُفرض العجز بوصفه قدرًا سياسيًا.
April 13, 2026





