د. التوم حاج الصافي
حدث ما حدث… عبارة تبدو بسيطة، لكنها في سياقها السوداني تختزل جريمة لا تُختصر، ومأساة لا تُطوى بعبور الكلمات. ليست جملةً للتجاوز، ولا ستارًا للطمس، بل محاولة بائسة لإغلاق ملفٍ لم يُفتح أصلًا كما يجب.
فضُّ اعتصام القيادة العامة لم يكن حادثًا عابرًا، ولا انفلاتًا محدودًا، بل كان فعلًا منظّمًا، جرى بعقلٍ بارد، وبأوامر لا يمكن تبرئتها تحت أي ذريعة. من نفّذ لم يكن جسدًا واحدًا، ولا يدًا منفلتة، بل شبكة من القوى التي تداخل فيها الرسمي بالظلّي، والعسكري بالمليشياوي، والسياسي بالأيديولوجي.
الادعاء بأن المليشيات وحدها كانت الفاعل، هو تبسيطٌ مخادع، بل تضليل متعمد. فالمشهد كان أكثر تعقيدًا، حيث حضرت مجموعات الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية، مدفوعة بمرارات متراكمة وخوفٍ من فقدان النفوذ، لتكون جزءًا من آلة القمع، لا مجرد شاهدٍ عليه. هذه القوى، التي تغلغلت طويلًا في مفاصل الدولة، لم تكن بعيدة عن القرار، بل كانت في صلبه.
وفي قلب هذه الصورة، لا يمكن تجاوز أسماء بعينها، مثل شمس الدين كباشي، التي ارتبطت بالسلطة والقرار في تلك المرحلة، ولا تجاهل ما رشح من اعترافات صريحة أو شبه مباشرة، حاولت تلطيف الوقائع لكنها أكدت، من حيث لا تدري، أن ما جرى لم يكن فوضى بل فعلًا محسوبًا.
كما لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته بعض الأصوات المدنية المتهافتة، مثل أمجد فريد، التي ساهمت، بقصد أو بدونه، في تمييع المشهد أو إرباك الرواية العامة، حين كان المطلوب موقفًا أخلاقيًا واضحًا لا يقبل المواربة.
ولم تكن تلك المجموعات وحدها، إذ شاركت أطراف أخرى، كلٌّ بدوافعه، لكن النتيجة كانت واحدة: سحق اعتصامٍ سلمي، ووأد حلمٍ جماعي، وإرسال رسالة دامية مفادها أن التغيير له ثمن، وأن من يطلبه عليه أن يستعد لدفعه من دمه.
الأدهى من الجريمة، هو محاولات تمييعها. البحث عن تصريح من “كوز” هنا، أو انتظار اعتراف من متهافتٍ هناك، هو إضاعة للوقت، بل ومشاركة غير مباشرة في طمس الحقيقة. فالجريمة أوضح من أن تُثبتها الأقوال، وأثقل من أن تُخففها التبريرات.
ثم جاءت أحداث 15 أبريل، لا كواقعة منفصلة، بل كامتدادٍ لنفس المنهج، وكأنها إحدى صور عدالة السماء التي تعيد إنتاج المشهد بذات القسوة: سلاحٌ يُوجّه إلى الداخل، مدنيون يُدفعون الثمن، ومؤسسات تتفكك تحت وطأة صراعٍ كان بالأمس موجّهًا ضد الأبرياء العزل. ذات الممارسات، وذات الاستهانة بالدم، بل وذات المشهد العبثي لهروب العساكر من بعضهم، في دلالةٍ صارخة على انهيار المنظومة التي مارست القمع.
إن ما جرى لا يحتاج إلى مزيد من الشهادات بقدر ما يحتاج إلى شجاعة في التوصيف. لا يحتاج إلى روايات متضاربة، بل إلى اعترافٍ صريح بأن ما حدث كان جريمة دولة، شاركت فيها أطراف متعددة، تحت مظلة قرارٍ لا يمكن فصله عن تركيبة السلطة في ذلك الوقت.
وختامًا، فإن دماء السودانيين التي سالت جميعها تظل في رقبة عبد الفتاح البرهان، بوصفه المسؤول الأول عن هذه المرحلة بكل ما حملته من عنفٍ وانهيار. فالمسؤولية هنا ليست تفصيلًا سياسيًا، بل حقيقة تاريخية ستظل تلاحق كل من كان في موقع القرار، لأن الدم لا يسقط بالتقادم، ولا يُمحى بالصمت.





