التوعية أولاً
صوت الحق والهامش
الضعين… جريمة تتكرر وصمت لا يوقف الدم
ما حدث في ولاية شرق دارفور، مدينة الضعين، ليس حادثاً عابراً ولا اشتباكاً عادياً، بل هو جريمة بشعة ونكراء بكل ما تحمله الكلمة من معنى، جريمة استهدفت الأبرياء العُزّل، وأعادت إلى الأذهان مشاهد الألم التي لم تغب يوماً عن ذاكرة إنسان دارفور.
هذه ليست المرة الأولى… ولن تكون الأخيرة، إذا استمر الحال كما هو عليه.
لقد اعتدنا، مع كل مجزرة، أن نسمع ذات العبارات: ندين، نستنكر، نشجب. كلمات فقدت معناها، ولم تعد تسمن ولا تغني من جوع، لأنها لم تُترجم يوماً إلى أفعال تحمي الناس وتوقف نزيف الدم. الإدانة وحدها لا تحمي طفلاً، ولا تنقذ امرأة، ولا تعيد الحياة إلى من سقطوا ظلماً.
إن ما يجري اليوم هو نتيجة طبيعية لواقع مختل، حيث تُترك المدن والقرى بلا حماية حقيقية، بينما تستمر الجماعات المتطرفة والإجرامية في تنفيذ جرائمها دون رادع. وقد حذرنا مراراً من خطورة هذا المسار، خاصة بعد تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كجماعة إرهابية، وهي جماعة لم يكن القتل والتدمير جديداً عليها، بل هو نهج متكرر في تاريخها.
نعم… تكرر المشهد،
ونعم… سيتكرر مرة أخرى،
ما لم ننتقل من مرحلة الكلام إلى مرحلة الفعل.
فما هي الحلول؟
أولاً: حماية السماء قبل الأرض
يجب إدخال منظومات تشويش وتقنيات دفاع حديثة في جميع ولايات سيطرة حكومة التأسيس، لأن طبيعة الحرب تغيرت، وأصبحت تعتمد على وسائل متقدمة تستهدف المدنيين بشكل مباشر. حماية الأجواء لم تعد رفاهية، بل ضرورة لحماية الأرواح.
قد يسأل البعض: من أين نأتي بالتمويل؟
الإجابة واضحة: الموارد موجودة، لكنها مهدرة.
هناك دخل يومي من الأسواق العامة، اليومية والأسبوعية، يذهب إلى جيوب خاصة بدل أن يُسخّر لحماية المواطنين. ولو تم تنظيم هذه الموارد وإدارتها بشفافية، لكانت كافية لتغطية جزء كبير من احتياجات الأمن والدفاع.
ثانياً: استغلال الثروات المحلية وبناء اقتصاد قوي
دارفور وكردفان ليستا مناطق فقيرة، بل غنية بالذهب، والثروة الحيوانية، وحتى البترول. المشكلة ليست في قلة الموارد، بل في سوء إدارتها.
وعليه، يجب الانتقال من الاستغلال العشوائي إلى الاستغلال المنظم عبر خطوات عملية واضحة:
إدخال أجهزة متطورة لكشف الذهب بدل الاعتماد على الطرق التقليدية
توفير معدات حديثة لتنقيب واستخراج البترول بشكل احترافي
إدخال آليات زراعية متقدمة لزيادة الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي
تنظيم قطاع التعدين والزراعة والبترول تحت إشراف مؤسسات حقيقية
ولن يكتمل ذلك إلا عبر:
بناء شبكة علاقات دولية واسعة تفتح أبواب الاستثمار والدعم الفني
الاستفادة من الخبرات العالمية في مجالات الطاقة والزراعة والتعدين
توجيه الموارد نحو خدمة المواطن، لا الأفراد
على أعضاء حكومة السلام والوحدة، وكل الموقعين على مشروع التأسيس، أن يفكروا بعقلية الدولة، لا بعقلية التنظيم أو القبيلة، وأن يوجهوا هذه الموارد لخدمة المواطن:
حماية أمنه
توفير احتياجاته الأساسية
بناء مؤسسات حقيقية على الأرض
حتى الآن، لا يوجد إنجاز ملموس يشعر به المواطن، رغم مرور الوقت واستمرار المعاناة.
ثالثاً: إعادة التوازن بين القتال والحماية
الحرب قد تطول، وقد تستمر سنوات، كما حدث في تجارب السودان السابقة، سواء في دارفور أو في جنوب السودان. لذلك، لا بد من تبني معادلة واضحة:
يد تحارب
يد تحرس
يد تدير وتخطط وتبني وتعمر
لا يمكن أن تنجح أي تجربة إذا انشغلت فقط بالحرب وتركت المدنيين بلا حماية.
رابعاً: دعم القوات دون تمييز
من أخطر الظواهر التي بدأت تظهر مؤخراً هي التمييز في الدعم العسكري على أسس قبلية وجهوية. يتم تسليح مجموعات وحرمان أخرى، رغم وجود آلاف الجنود القادرين على القتال.
هذا النهج لا يضعف فقط القوة العسكرية، بل يزرع بذور الانقسام والانهيار الداخلي.
يجب:
توفير السلاح والمعدات لكل القوات دون تمييز
تدريب الجنود بشكل احترافي
بناء جيش قائم على الكفاءة لا الانتماء
فلو تم استثمار هذه الطاقات بشكل صحيح، لتغير ميزان القوة بالكامل.
خامساً: دروس من الخرطوم وأم درمان
ما حدث في الخرطوم وأم درمان يجب أن يكون درساً لا يُنسى.
آلاف الجنود كانوا موجودين… لكن بلا سلاح،
في وقت كانت فيه المخازن مليئة بالأسلحة.
هذا الخلل في الإدارة والقرار كان سبباً مباشراً في الانهيار والانسحاب.
التاريخ يعيد نفسه… إذا لم نتعلم منه.
جريمة الضعين ليست فقط جريمة ضد الأبرياء، بل هي جرس إنذار جديد يؤكد أن استمرار هذا الوضع يعني مزيداً من الدماء.
المشكلة ليست في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة لتطبيقها.
إذا لم تتحول القيادة إلى عقلية الدولة،
وإذا لم تُدار الموارد لصالح الشعب،
وإذا استمر التمييز والضعف في القرار…
فإن هذه الجرائم ستتكرر،
وسيظل المواطن هو الضحية الأولى والأخيرة.
والتاريخ لا يرحم.
٢٢ مارس ٢٠٢٦
صدام عبدالعزيز
الأمين العام لحركة جيش تحرير السودان
قيادة الجنرال عبداللطيف يحي إسحاق
عضو المجلس الاستشاري لقوات الدعم السريع
دائرة العلاقات الدولية والعون الإنساني سابقاً





