كتب عثمان شيخ الدين عكرة
تعد معركة كرري (1898م) من اللحظات الفاصلة في تاريخ السودان، وبالرجوع إلى الوثائق البريطانية (تقارير المخابرات العسكرية التي أشرف عليها ريجنالد وينجت) والمذكرات التاريخية، لا تشير “الخيانة” بمعناها التقليدي (أي تسليم المعركة) لشخص واحد، بل كانت مزيجاً من الاختراق الاستخباري والتباين في الآراء العسكرية داخل قيادة المهدية.
إليك أهم ما كشفته الوثائق والتقارير البريطانية حول هذا الملف:
1. الاختراق الاستخباري (سلاطين باشا)
تؤكد الوثائق البريطانية أن رودولف سلاطين (الذي كان أسيراً لدى المهدية وهرب) لعب الدور الأكبر في كشف نقاط ضعف جيش المهدية. كان يزود “كيتشنر” بمعلومات دقيقة عن:
تعداد القوات وأسماء القادة.
نوعية الأسلحة ومدى فاعليتها.
الانقسامات الداخلية بين “أولاد البحر” و”أولاد العرب”.
2. دور “الشهود” والمخبرين
تشير التقارير إلى وجود شبكة واسعة من المخبرين المحليين الذين كانوا يزودون الجيش الغازي بتحركات الخليفة عبد الله التعايشي. الوثائق تذكر أن كيتشنر كان يعرف خطة المهدية للهجوم الليلي، وهو ما جعله يتخذ وضعية الدفاع المحصن، مما أفشل عنصر المفاجأة للمهديين.
3. الجدل حول “قادة” ميدانيين
في الأدبيات السودانية والتقارير البريطانية، يُناقش غالباً دور بعض القادة من حيث “سوء التقدير” الذي يرقى في نظر البعض إلى الخيانة، ومنهم:
الأمير يعقوب (شقيق الخليفة): لا تصفه الوثائق بالخائن، بل بالقائد الذي تمسك بخطة هجومية انتحارية في ضوء النهار أمام المدافع الرشاشة (ماكسيم)، متجاهلاً نصائح القادة الآخرين بالهجوم الليلي.
عثمان دقنة: الوثائق البريطانية كانت تكن له احتراماً كبيراً كقائد تكتيكي، وتذكر أنه كان من القلائل الذين أدركوا خطورة المدافع البريطانية وحاول ثني القيادة عن الهجوم المباشر، لكن عدم الأخذ برأيه أدى للكارثة.
4. خيانة “المعلومات” لا “الميدان”
الوثائق البريطانية (مثل أوراق وينجت) لا تتحدث عن قائد خان في قلب المعركة، بل تتحدث عن “قادة القبائل” الذين انضموا للجيش البريطاني المصري (مثل بعض زعماء الشايقية والعبابدة والجعليين بعد واقعة المتمة). هؤلاء قدموا الدعم اللوجستي والاستطلاعي الذي جعل الجيش الغازي يتحرك كأنه يملك “خريطة حية” لأرض المعركة.
الخلاصة حسب الوثائق:
الخيانة في كرري لم تكن “فتحاً للأبواب”، بل كانت تفوقاً استخباراتياً بريطانياً اعتمد على:
معلومات سلاطين باشا.
استغلال الخلافات القبلية والسياسية التي أضعفت الجبهة الداخلية للمهدية.
الجمود التكتيكي لدى بعض قادة المهدية الذين رفضوا تغيير استراتيجيتهم أمام السلاح الحديث.
ملاحظة تاريخية: يظل الخليفة عبد الله التعايشي في الوثائق البريطانية شخصية صمدت حتى النهاية، حيث تذكر التقارير أنه لم يهرب بل انسحب ليعيد تنظيم صفوفه، وقاتل حتى استشهد في “أم دبيكرات”.





