رؤى نيوز – تحقيق خاص
لم تعد الحرب في السودان تُخاض بالسلاح وحده. فإلى جانب البنادق والطائرات والمسيّرات، ظهرت في الفضاء العام منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 معركة أخرى على الوعي والهوية، تستخدم فيها الأغنية والأنشودة والخطاب الديني كأدوات للتعبئة ورفع المعنويات وإعادة تعريف الصراع.
رصدت «رؤى نيوز» عبر مواد منشورة على منصات التواصل ومصادر مفتوحة عودة أناشيد مرتبطة بالتيار الإسلامي إلى المشهد العسكري، بالتزامن مع ظهور أعمال جديدة تمجد القتال وتربط المشاركة في الحرب بمفاهيم دينية.
ولا تبدو الظاهرة معزولة عن السياق الأوسع للحرب؛ إذ خلصت دراسة اجتماعية وثقافية حول «أغاني حرب 15 أبريل» إلى أن الأغاني أصبحت أداة ثقافية وسياسية مؤثرة في تشكيل الخطاب الاجتماعي حول الحرب، وأنها تتراوح بين تمجيد البطولة والتحريض والكراهية من جهة، والدعوة إلى السلام والوحدة من جهة أخرى.
من أناشيد التسعينيات إلى ساحات الحرب
تكشف مراجعة مواد منشورة خلال فترة الحرب عن إعادة تداول أناشيد تعود إلى حقبة التسعينيات، إلى جانب إنتاج أعمال جديدة وتعديل ألحان ونصوص قديمة لتتناسب مع الحرب الحالية.
وتتكرر في هذه المواد ثيمات محددة: تصوير الخدمة العسكرية كواجب ديني، تمجيد قتلى المعارك، وربط الحرب الحالية بسرديات دينية وتاريخية عن «الجهاد».
لكن استخدام مفردات دينية أو أداء أنشودة إسلامية لا يكفي وحده لتصنيف العمل باعتباره «جهادياً»؛ لذلك يركز هذا التحقيق على الأعمال التي تتضمن مضموناً قتالياً أو أيديولوجياً واضحاً، أو ترتبط بصورة مباشرة بتشكيلات مسلحة ذات توجهات إسلاموية.
من الأغنية إلى التعبئة
تشير المواد المرئية المتداولة إلى حضور هذا النوع من الأناشيد في مناسبات وتجمعات عسكرية، إلى جانب انتشارها على منصات التواصل الاجتماعي.
وفي بعض المقاطع، تظهر شخصيات عسكرية وعناصر من مجموعات مسلحة ذات توجهات إسلاموية وهي تؤدي أناشيد ذات مضمون قتالي، ما يفتح نقاشاً حول العلاقة بين الخطاب التعبوي المستخدم خلال الحرب وبين التيارات السياسية والأيديولوجية الموجودة داخل البيئة الداعمة للقتال.
وتتجاوز بعض الأعمال وظيفة رفع المعنويات أو رثاء القتلى، لتطرح رسائل سياسية تنتقد العلمانية والديمقراطية وتقدم الحرب باعتبارها مواجهة ذات أبعاد دينية.
«البراء بن مالك».. عندما تصبح الأنشودة جزءاً من الهوية القتالية
من أبرز الأمثلة التي برزت خلال الحرب الأناشيد المرتبطة بكتيبة «البراء بن مالك»، وهي تشكيل مسلح يقاتل إلى جانب الجيش السوداني.
وقد انتقلت بعض هذه الأناشيد من السياق العسكري إلى مناسبات اجتماعية، بينها حفلات تخرج وأعراس، في مؤشر على انتقال خطاب التعبئة من ساحات القتال إلى المجال العام.
ولا تكمن أهمية هذه الحالة في الأغنية وحدها، وإنما في الطريقة التي يمكن بها لمادة أنتجت في سياق عسكري أن تتحول إلى عنصر من عناصر الثقافة الشعبية.
خلفية أوسع لعودة الخطاب الإسلاموي
لا تعتمد العلاقة بين الأناشيد والخطاب الإسلاموي على المواد الغنائية وحدها.
فقد تناولت تقارير صحفية ودراسات خلال الحرب نشاط مجموعات ذات خلفية إسلامية إلى جانب الجيش، فيما تحدثت تقارير عن مشاركة عناصر إسلامية في القتال وتدريب مدنيين لدعم القوات المسلحة.
وفي المقابل، ينفي الجيش رسمياً التنسيق مع الفصائل السياسية.
وتضع هذه المعطيات عودة الأناشيد ذات المضمون الإسلاموي في سياق أوسع من الجدل حول طبيعة القوى التي تشارك في الحرب أو تدعم أحد طرفيها.
أين تبدأ «الجهادية» وأين تنتهي؟
يمثل توصيف هذه الأناشيد بأنها «جهادية» تحدياً بحثياً بحد ذاته.
فمصطلح «الجهادية» في الأدبيات الأمنية لا يعني ببساطة كل خطاب ديني أو كل دعوة للقتال، وإنما يرتبط بتيارات عنيفة تستخدم تفسيراً متشدداً لمفهوم الجهاد لتبرير العنف السياسي.
لذلك، فإن تصنيف عمل فني ضمن هذا الخطاب يتطلب النظر إلى النص والجهة المنتجة والسياق والجهة المستخدمة له والرسالة التي يحملها، وليس مجرد وجود مفردات دينية فيه.
هل تسهم الأناشيد في إطالة الحرب؟
لا تثبت الأدلة المتاحة أن الأناشيد وحدها تؤدي إلى إطالة الحرب.
لكنها قد تؤدي وظيفة أكثر تعقيداً تتمثل في تطبيع الحرب ثقافياً.
فعندما يصبح القتال حاضراً في الأغنية ومقاطع التدريب والمناسبات الاجتماعية ومنشورات وسائل التواصل، يمكن أن يتحول الصراع تدريجياً من حدث سياسي استثنائي إلى جزء من الحياة اليومية والهوية الجماعية.
وتزداد حساسية الأمر عندما تقترن الأغنية بخطاب يصور التسوية السياسية باعتبارها خيانة، أو يربط التراجع عن القتال بالتخلي عن الدين أو الوطن.
عندها لا يعود السؤال متعلقاً بالموسيقى وحدها، وإنما بالخطاب الذي تقف وراءها.
الشباب.. الحلقة الأكثر تعرضاً للتأثير
أدت الحرب إلى اضطراب واسع في التعليم والعمل والحياة الاجتماعية، خصوصاً بين الأطفال والشباب.
وفي البيئات التي تتراجع فيها المؤسسات التعليمية والاجتماعية، يمكن للخطاب التعبوي أن يجد مساحة أكبر للتأثير، خاصة عندما يقدم المقاتل باعتباره نموذجاً للبطولة والتضحية والانتماء.
وهنا تبرز أهمية دراسة المحتوى الذي يصل إلى الشباب عبر المنصات الرقمية، وليس فقط المواد التي تنتشر داخل المعسكرات والتجمعات العسكرية.
ما الذي يبقى بعد توقف القتال؟
السؤال الذي تطرحه «رؤى نيوز» لا يتعلق فقط بما يحدث الآن، بل بما سيبقى بعد توقف المعارك.
فالأناشيد التي تمجد القتال قد تتراجع مع انتهاء الحرب، لكنها يمكن أن تترك وراءها ذاكرة جديدة للصراع، خصوصاً إذا أصبحت جزءاً من هوية جيل كامل عاش سنوات الحرب.
وهنا يبرز تحدٍ أمام أي عملية سلام مستقبلية: هل ستتوقف الحرب فقط، أم سيتوقف أيضاً الخطاب الذي يعيد إنتاجها اجتماعياً؟
فالسلام لا يحتاج إلى اتفاق سياسي فحسب، بل إلى معالجة السرديات التي تجعل الخصم عدواً أبدياً، وفتح المجال أمام خطاب يعترف بالتعدد السياسي والاجتماعي ويستبدل التعبئة العسكرية بثقافة الحوار.
خلاصة التحقيق
تكشف مراجعة المواد المفتوحة والتقارير والدراسات المتاحة عن حضور متزايد للأناشيد ذات الطابع الإسلامي والقتالي في المشهد السوداني منذ اندلاع الحرب، وعن ارتباط جزء منها بتشكيلات مسلحة داعمة للجيش.
لكن الأدلة المتاحة لا تبرر وضع كل الأناشيد الدينية والوطنية في خانة «الجهادية»، ولا تسمح بالقول إن هذه الأعمال وحدها مسؤولة عن استمرار الحرب.
الأكثر وضوحاً هو أن المعركة في السودان تجاوزت خطوط الجبهات إلى الثقافة والهوية والفضاء الرقمي، وأن الأغنية أصبحت في بعض الحالات جزءاً من عملية التعبئة المصاحبة للقتال.
ويبقى السؤال: عندما تنتهي الحرب، هل ستنتهي معها «أناشيد الحرب» أيضاً، أم ستبقى جزءاً من الذاكرة التي تحدد كيف ينظر السودانيون إلى بعضهم البعض؟



