مركز رؤى الإعلامي – قسم التحقيقات والتحليل السياسي
بينما تواصل المملكة العربية السعودية تقديم نفسها وسيطاً لإنهاء الحرب السودانية عبر منبر جدة والدعوات المتكررة إلى وقف إطلاق النار، تكشف مسارات السلاح والتحركات السياسية وشبكات الإمداد الإقليمية عن صورة مختلفة تماماً.
فالسؤال لم يعد فقط: هل تقف الرياض على مسافة واحدة من أطراف الحرب؟
بل أصبح: كيف يمكن لدولة تقود منبراً للسلام، أن تكون في الوقت نفسه جزءاً من البيئة السياسية واللوجستية التي ساعدت على استمرار قدرة أحد أطراف الحرب على القتال؟
تشير مجموعة من المعطيات والتقارير والتحقيقات إلى أن العلاقة السعودية بقيادة الجيش السوداني تجاوزت حدود الوساطة السياسية التقليدية، لتدخل في دائرة الدعم السياسي، والتنسيق الإقليمي، وتسهيل مسارات التسليح والإمداد.
منبر جدة.. واجهة السلام
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وضعت السعودية نفسها في موقع الوسيط، واستضافت جولات تفاوض بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
لكن جولات التفاوض لم توقف الحرب.
وفي المقابل، ظل عبد الفتاح البرهان يحظى بحضور سياسي وعلاقات متواصلة مع الرياض، بينما كانت الحرب تتحول تدريجياً إلى واحدة من أكثر الحروب اعتماداً على السلاح الخارجي والطائرات المسيّرة في المنطقة.
وهنا يظهر التناقض الأساسي.
فالوسيط الحقيقي يفترض أن يعمل على تقليص قدرة الأطراف على القتال، بينما تكشف تطورات الحرب أن الجيش السوداني لم يتوقف عن تعزيز قدراته العسكرية، بل توسع في الحصول على المسيّرات والأسلحة والذخائر عبر شبكات إقليمية ودولية.
وساطة في صفقة سلاح أم دور في استمرار الحرب؟
في يناير 2026، نشر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى تحليلاً تناول تقارير عن صفقة أسلحة باكستانية ضخمة للجيش السوداني تصل قيمتها إلى نحو 1.5 مليار دولار، وتحدث التقرير عن وساطة سعودية في مسار الصفقة.
وشملت التقارير طائرات ومئات المسيّرات وأنظمة دفاع جوي، وهي معدات كان من شأنها أن تمنح الجيش قدرة إضافية على مواصلة الحرب وتوسيع نطاقها.
وبغض النظر عن الوضع النهائي للصفقة، فإن مجرد ظهور اسم السعودية في مسار وساطة لتسليح طرف من أطراف الحرب يضع علامات استفهام جدية حول مفهوم «الحياد» الذي ترفعه الرياض في الملف السوداني.
فلا يمكن فصل الوساطة السياسية عن البيئة العسكرية التي تتحرك فيها الأطراف.
ولا يمكن في الوقت نفسه الدعوة إلى وقف الحرب والمساهمة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في فتح مسارات تمكن أحد أطرافها من الحصول على أدوات جديدة للقتال.
من الميناء إلى ميدان المعركة
لا تقتصر القضية على صفقات السلاح الكبرى.
فالتحقيق في شبكات الإمداد يكشف أن الحرب السودانية تعتمد أيضاً على تدفقات يومية من المعدات والمركبات وقطع الغيار والمواد ذات الاستخدام المزدوج.
وهنا تظهر السعودية باعتبارها واحدة من أهم العقد التجارية واللوجستية في منطقة البحر الأحمر.
فالمركبات التي تستخدم في الحرب لا تصل دائماً إلى السودان باعتبارها «معدات عسكرية»، بل يمكن أن تدخل عبر التجارة المدنية، أو إعادة التصدير، أو الترانزيت، قبل تحويلها إلى مركبات قتالية.
هذا المسار يفتح الباب أمام شبكة واسعة من الوسطاء وشركات الشحن والتخليص والموانئ.
«مؤسسة حسين اليامي».. عندما يظهر الملصق في أرض المعركة
أثارت صور ومقاطع متداولة لمركبات تستخدم في ساحات القتال وتحمل الملصق الدائري لـ«مؤسسة حسين اليامي للتخليص الجمركي»، تساؤلات واسعة حول مسار تلك المركبات قبل وصولها إلى السودان.
الملصق يحمل بيانات مؤسسة سعودية تعمل في مجال التخليص الجمركي، ما يشير إلى أن المركبات مرت، في مرحلة من مراحل رحلتها التجارية، عبر منظومة تخليص أو إعادة تصدير مرتبطة بالسوق السعودي.
وبالطبع، لا يمثل وجود الملصق وحده دليلاً قانونياً على أن المؤسسة أو الحكومة السعودية قررت تسليح الجيش السوداني.
لكن القضية لا تتوقف عند الملصق.
فالملصق يصبح أكثر أهمية عندما يوضع داخل سياق أوسع يشمل التقارير عن الوساطة السعودية في صفقات التسليح، والعلاقات السياسية الوثيقة مع قيادة الجيش، ودور البحر الأحمر والموانئ التجارية في خطوط الإمداد، واستمرار تدفق المعدات العسكرية إلى السودان.
وهنا يتحول السؤال من: من وضع الملصق؟
إلى سؤال أكبر: كيف وصلت هذه المركبات عبر شبكات التجارة الإقليمية إلى ساحات الحرب، ومن سمح لهذه المسارات بالعمل؟
دعم لا يمر دائماً عبر صناديق الذخيرة
الدعم العسكري لا يعني دائماً وصول طائرة محملة بالأسلحة تحمل علم الدولة الداعمة.
في الحروب الحديثة، يمكن أن يكون الدعم عبر:
- التسهيلات السياسية.
- الوساطة في صفقات التسليح.
- فتح أسواق الترانزيت.
- استخدام الموانئ.
- مرور المركبات والمعدات.
- إعادة التصدير.
- الشبكات المالية.
- الوسطاء التجاريين.
- أو توفير بيئة إقليمية تسمح باستمرار خطوط الإمداد.
وبهذا المعنى، فإن أي دولة تتحول أراضيها أو موانئها أو شبكاتها التجارية إلى جزء مستمر من مسار الإمداد العسكري، تصبح جزءاً من معادلة الحرب، حتى لو لم تعلن رسمياً أنها أرسلت سلاحاً إلى الجبهة.
الرياض والرهان على البرهان
تشير قراءات سياسية متزايدة إلى أن السعودية لم تتعامل مع الحرب السودانية باعتبارها أزمة إنسانية فقط، وإنما باعتبارها أيضاً معركة على النفوذ في البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، بدا بقاء مؤسسة الجيش السوداني متماسكة تحت قيادة البرهان خياراً مهماً بالنسبة للرياض.
لكن المشكلة أن المؤسسة العسكرية السودانية لم تعد مجرد جيش تقليدي منفصل عن الصراع السياسي.
فالحرب أعادت إنتاج تحالفات قديمة، وفتحت المجال أمام فصائل الحركة الإسلامية والكتائب المسلحة، وأعادت دمج شبكات سياسية وأمنية في آلة الحرب.
وبالتالي فإن دعم الجيش، بصورة مباشرة أو عبر شبكات الإمداد والصفقات، لا يمكن فصله عن دعم البيئة العسكرية والسياسية التي سمحت باستمرار الحرب.
السلام في جدة والسلاح في الطريق
هذا هو التناقض الأكبر.
في قاعات جدة، يجري الحديث عن وقف إطلاق النار.
وفي الميدان، تستمر الحرب.
وفي البحر والموانئ والأسواق وشبكات الترانزيت، تستمر حركة المعدات والمركبات والمكونات.
إن السلام لا يصنع فقط عبر البيانات والمؤتمرات، وإنما عبر وقف الموارد التي تجعل استمرار الحرب ممكناً.
ولهذا فإن أي وساطة لا تواجه شبكات السلاح والتمويل والإمداد تتحول، عملياً، إلى إدارة للأزمة بدلاً من إنهائها.
وقد حذرت تحليلات دولية من أن استمرار تدفق الدعم العسكري والمالي واللوجستي الخارجي إلى أطراف الحرب يمثل أحد الأسباب الرئيسية في إطالة أمد الصراع، وأن قطع هذه المسارات شرط أساسي لأي عملية سلام حقيقية.
الملصق ليس القضية.. بل الطريق الذي يقف خلفه
ربما لا يكون الملصق الجمركي سوى تفصيل صغير.
لكنه يفتح نافذة على عالم أكبر.
عالم تتحرك فيه المركبات من الموانئ إلى الحدود، ومن الأسواق المدنية إلى ساحات الحرب، ومن شركات التخليص إلى خطوط الإمداد العسكرية.
وهذا هو جوهر القضية.
فالمسألة ليست اسم شركة واحدة، ولا مركبة واحدة، ولا ملصقاً واحداً.
المسألة هي شبكة كاملة سمحت باستمرار تدفق الأدوات التي تحتاجها الحرب.
وفي قلب هذه الشبكة، تبرز السعودية بوصفها لاعباً لا يمكن تجاهله: وسيطاً على طاولة المفاوضات، وقوة إقليمية تملك تأثيراً سياسياً واقتصادياً واسعاً، ودولة ظهرت في تقارير تتعلق بوساطة صفقات تسليح للجيش السوداني، كما تشكل أراضيها وموانئها وأسواقها جزءاً مهماً من الجغرافيا التجارية للبحر الأحمر.
الخلاصة
لم يعد من الممكن النظر إلى الدور السعودي في السودان باعتباره مجرد وساطة محايدة.
فالتحركات السياسية، والتقارير المتعلقة بصفقات السلاح، والبيئة اللوجستية والتجارية التي تمر عبر المنطقة، كلها تضع الرياض أمام أسئلة لا يمكن تجاوزها.
كيف تقود السعودية منبر سلام، بينما تظهر في مسارات مرتبطة بتسليح الجيش السوداني؟
وكيف يمكن الحديث عن وقف الحرب دون التحقيق في شبكات الإمداد التي ساعدت على استمرارها؟
ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول طرق التجارة والموانئ والوساطة الإقليمية إلى جزء من البنية التي تغذي آلة الحرب؟
بين منبر جدة وساحات القتال، تبدو المسافة أقصر مما تحاول البيانات الرسمية إظهاره.
فالطريق إلى الحرب لا يبدأ دائماً من فوهة البندقية.
أحياناً يبدأ من مكتب وسيط، أو عقد تسليح، أو ميناء، أو شركة شحن، أو حتى ملصق صغير على مركبة وصلت في النهاية إلى أرض المعركة.
