الجيش النخبوي : اثنان وسبعون عاماً من البطش

15 أغسطس، 2026
0
نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة

ليست الذكرى الثانية والسبعون لما يسمى بعيد الجيش مناسبة للأهازيج والمراسم واستدعاء الصور المصنوعة بعناية في مخيلة الدولة المركزية، وإنما لحظة تستحق أن تُفتح فيها دفاتر سبعة عقود من الدم والانقلابات والحروب والوصاية السياسية… فالجيوش لا تصبح وطنية بطول عمرها، ولا تُقاس قوميتها بعدد الأناشيد التي تمجدها، وإنما بما فعلته حين أصبح الوطن في حاجة إلى الحماية، وبما إذا كانت بندقيتها قد حمت المواطن أم استدارت إلى صدره.

لقد نجحت دولة الامتيازات التاريخية طويلاً في صناعة واحدة من أكثر الأكاذيب رسوخاً أن الجيش والوطن شيء واحد، وأن نقد المؤسسة العسكرية خيانة للدولة نفسها. . وبواسطة التعليم والإعلام والثقافة السياسية والأناشيد، صُنعت حول الجيش هالة تحصنه من السؤال والمحاسبة، حتى بدا الاعتراض على دوره السياسي والعسكري كأنه اعتراض على السودان… والحقيقة أبسط وأقسى.. الوطن أسبق من الجيش، والشعب أكبر من مؤسساته، والمؤسسة التي لا تخضع للمساءلة تتحول من أداة للدولة إلى سلطة فوقها.

وإذا نزعت عن تاريخ هذا الجيش طبقات الدعاية، فإنك تقف أمام مؤسسة ارتبط اسمها منذ الاستقلال بانقلابات متلاحقة وحروب داخلية طويلة، بينما ظلت الحدود والسيادة والتنمية والوحدة الوطنية أسئلة مؤجلة. فلم تكن المعضلة في وجود تجاوزات عرضية يمكن ردها إلى أخطاء أفراد، وإنما في بنية عسكرية وسياسية جعلت المؤسسة جزءاً أصيلاً من معادلة الحكم، حتى صار الجنرال منافساً للمدني على السلطة، وأصبح السلاح وسيلة لتحديد مستقبل البلاد بدلاً من أن يكون أداة لحماية نظامها الدستوري.

ومنذ الحروب في جنوب السودان، مروراً بمآسي دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، تتكرر المعضلة نفسها.. أزمة سياسية أو مظلمة تاريخية تتحول في عقل الدولة المركزية إلى ملف أمني، ثم تتحول المطالب إلى «تمرد»، وأصحاب المظالم إلى خطر ينبغي إخضاعه. وعلى امتداد هذه الحروب دفع المدنيون أثماناً فادحة من القتل والنزوح والتشريد وفقدان سبل الحياة، بينما ظلت الدولة تعالج سؤال العدالة والمواطنة وتقاسم السلطة والثروة بأدوات الحرب بدلاً من السياسة.

ولم تكن حرب الجنوب هامشاً صغيراً في هذا التاريخ فقد امتدت عقوداً وأزهقت أرواح أعداد هائلة من السودانيين وشرّدت الملايين، قبل أن تنتهي بانفصال جنوب السودان… تلك الكارثة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية طويلة، وإنما التعبير الأكثر فداحة عن فشل الدولة المركزية في إدارة التنوع والمواطنة وتوزيع السلطة والثروة. والأسوأ أن انفصال الجنوب لم يؤدِّ إلى مراجعة جذرية للعقلية التي أنتجت الحرب، فاستمرت بنية الأزمة نفسها بأشكال ومسميات مختلفة.

وهنا تكمن المأساة لم تتعلم النخب المركزية من انفصال جزء عزيز من السودان أن إخضاع المجتمعات بالسلاح لا يصنع وطناً. ظلت الذهنية نفسها ترى في مطالب الهامش مؤامرة، وفي الاحتجاج تمرداً، وفي القوة العسكرية العلاج الأول للأزمة السياسية. ومن هذه العقيدة توالدت الحروب واتسعت المقابر وتكررت موجات النزوح، بينما ظلت المؤسسة العسكرية محتفظة بمكانها المقدس في خطاب النخب، كأن كل هذه الدماء لا تكفي لإعادة طرح السؤال عن طبيعتها ووظيفتها وعقيدتها.

والحرب الراهنة ليست قطيعة مع ذلك التاريخ إنها امتداده الأكثر انكشافاً. فالسجل الذي كان يمكن لدعاية الداخل إخفاؤه أصبح محل إجراءات وعقوبات دولية. لقد توالت العقوبات الأمريكية على مؤسسات وأشخاص مرتبطين بالجيش ومنظومته العسكرية، ووصلت في يناير 2025 إلى عبد الفتاح البرهان نفسه، وربطت واشنطن إجراءاتها بهجمات قاتلة على المدنيين واستهداف بنى مدنية محمية وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، بما جعل ملف الانتهاكات جزءاً من سجل دولي يصعب دفنه تحت خطاب الحرب.

هذه العقوبات لم تسقط من السماء، ولم تكن أول إجراء يتصل بالمؤسسة وشبكاتها، بل سبقتها وتلتها إجراءات استهدفت مؤسسات وأفراداً مرتبطين بمنظومة الحرب والتسليح… ولذلك فإن الاحتفاء بالمؤسسة كما لو أن العالم لم ير شيئاً، وكأن الدماء والاتهامات والقرارات الدولية مجرد تفاصيل هامشية، ليس احتفالاً بالوطن بقدر ما هو محاولة جديدة للهروب من المحاسبة.. فالوطنية لا تمنح الجيوش حصانة، بل تجعل مسؤوليتها مضاعفة لأنها تحمل السلاح باسم الدولة وعلى نفقة المواطنين.

ثم جاء الملف الذي ينبغي أن يهز أي ضمير وطني الأسلحة الكيميائية… فقد أعلنت الولايات المتحدة رسمياً توصلها إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية بما يخالف القانون الدولي، ورتبت على ذلك عقوبات بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية… إنها مسألة تتجاوز السجال الإعلامي والسياسي، لأنها تضع استخدام أحد أخطر الأسلحة المحظورة دولياً في صميم ملف الحرب، وتطرح أسئلة لا يمكن تجاوزها حول المسؤولية والقيادة والعقيدة التي تسمح باستخدام هذه الوسائل في صراع داخل الدولة.

والأكثر دلالة أن ملف الأسلحة الكيميائية لم ينته عند ذلك الحد، إذ استمرت الإجراءات الأمريكية المرتبطة به لاحقاً… وهكذا أصبح الحاضر امتداداً أكثر خطورة لسجل تاريخي طويل … من معالجة مطالب الشعوب بالسلاح، إلى الحروب الداخلية الممتدة، وصولاً إلى اتهامات دولية وعقوبات مرتبطة باستهداف المدنيين واستخدام أسلحة كيميائية. ليست القضية إذن حادثة معزولة، وإنما نمطاً يعيد إنتاج نفسه كلما عجزت دولة المركز عن مواجهة أزمتها السياسية والاجتماعية بأدوات العدالة والمواطنة والحكم الراشد.

إن جرائم الحاضر لا يمكن فهمها منفصلة عن جرائم التاريخ.. الذي تغير هو الوسائل وحجم القدرة التدميرية، أما العقل السياسي الذي يرى القوة طريقاً لإدارة أزمة الدولة فلم يتغير بالقدر المطلوب. من حروب الجنوب إلى دارفور، ومن جبال النوبة إلى النيل الأزرق، ظلت المؤسسة العسكرية تُستدعى كلما عجز المركز عن إنتاج تسوية عادلة. ومع مرور العقود أصبحت الحرب وسيلة لإدامة الدولة القديمة، بينما ظلت الأسئلة الأساسية حول السلطة والثروة والمواطنة والعدالة تنتظر الإجابة.

ثم تعرضت المؤسسة لاختراق سياسي وأيديولوجي عميق، خصوصاً خلال عقود حكم الحركة الإسلامية، حتى اختلطت حدود الدولة بالحزب والجيش بالمشروع السياسي. وفي الحرب الراهنة استعادت مجموعات مرتبطة بالنظام السابق وكتائب ذات مرجعيات أيديولوجية حضورها في المشهد، بما يعيد طرح سؤال جوهري كيف يمكن وصف مؤسسة بالقومية بينما تصبح ساحة لتداخل الجيش والحزب والأيديولوجيا؟ فالجيش الذي تستوطن السياسة بنيته يفقد تدريجياً أهم شروط المهنية والاستقلال، ويتحول إلى طرف في الصراع على السلطة بدلاً من حارس للدستور.

أما الارتهان للخارج، فهو الجرح الذي ينسف كل خطاب زائف عن السيادة. فالسودان لا يحتاج جيشاً يقايض استقلال قراره بحماية إقليمية أو دعم سياسي أو عسكري من هذه العاصمة أو تلك. ولا يمكن لمؤسسة أن تتحدث عن السيادة بينما تصبح حساباتها مرتبطة بمحاور خارجية تتعامل مع السودان باعتباره ساحة نفوذ لا وطناً لشعوب لها حق تقرير مستقبلها. الاستقلال الحقيقي يبدأ باستقلال الإرادة الوطنية، لا بترديد مفردة السيادة في الخطب ثم ممارسة نقيضها في الواقع.

وظلت العلاقة بالمؤسسة العسكرية المصرية والنفوذ المصري في السياسة السودانية موضع أسئلة وخلافات متجددة داخل السودان. وبصرف النظر عن حجم ذلك النفوذ وتفاصيله، فإن المبدأ لا يحتمل المساومة: الجيش السوداني الذي يستحق صفة «القومي» يجب ألا يكون امتداداً لأي مركز قرار خارج الحدود، ولا أداة لحماية مصالح غير سودانية… فاستقلال المؤسسة العسكرية عن المحاور الإقليمية ليس ترفاً سياسياً، وإنما شرط أساسي من شروط السيادة التي طالما استخدمت النخب اسمها لتبرير احتكارها للقرار.

ومن أشد مفارقات هذا التاريخ قسوة أن الجنود الذين حُمّلوا بنادق الدولة وأُرسلوا إلى ساحات حروبها جاء كثير منهم من المجتمعات الفقيرة والمهمشة نفسها. فالذين عاشوا الحرمان أصبح أبناؤهم وقوداً لحماية بنية لم توفر لهم التنمية ولا العدالة.. ولذلك فالمشكلة ليست في الجندي البسيط الذي يحمل السلاح، وإنما في النخب التي تحدد أين يوجه، وفي العقيدة التي تجعل المواطن خصماً، وفي دولة تستخدم أبناء الأطراف لإدامة نظام يعيد إنتاج تهميش الأطراف نفسها.

لقد عاش السودانيون عقوداً على وقع العبارة الشهيرة .. «الحارس مالنا ودمنا». لكن الشعارات لا تملك حق إلغاء التجربة. الحارس الحقيقي لا ينقلب على إرادة الشعب، ولا يتحول إلى حاكم، ولا يجعل البندقية طريقاً إلى القصر، ولا يفرض على المجتمع نظامه السياسي. وحين يصبح المواطن مطالباً بحماية نفسه من المؤسسة المفترض أن تحميه، تنقلب العبارة على نفسها.. يصبح السؤال ليس من يحرس مالنا ودمنا، بل من يحرس الوطن من عسكرة الدولة واستبداد النخب؟

لقد لعبت النخب السياسية والثقافية والإعلامية المرتبطة بالدولة الموروثة دوراً مركزياً في صناعة هذه القداسة. فقد جرى، على مدى عقود، تقديم المؤسسة العسكرية باعتبارها التجسيد الأعلى للوطنية، بينما جرى وصم المعترضين على اختلالات الدولة بالتمرد والخيانة. وهكذا لم يكن احتكار السلاح وحده هو ما يحمي الدولة القديمة، بل احتكار تعريف الوطنية أيضاً .. فمن يقف مع المركز وطني، ومن يطالب بتغيير قواعده يصبح عدواً، مهما كانت عدالة المظالم التي يحملها.

ولهذا فإن إعادة تأسيس السودان لا يمكن أن تتم بينما تبقى المؤسسة العسكرية القديمة بمنطقها وعقيدتها وعلاقتها بالسلطة خارج دائرة التغيير… الإصلاح التجميلي لن يكفي، وتغيير بعض القادة لن يصنع جيشاً جديداً. المطلوب تأسيس جيش قومي مهني على أسس جديدة وعادلة، يعكس التنوع الحقيقي للشعوب السودانية والثقل السكاني والبعد الجغرافي، ويُبنى على الكفاءة والمهنية، وتكون عقيدته حماية حدود البلاد ودستورها وسيادتها وحقوق مواطنيها، لا حماية سلطة النخب وامتيازاتها.

وهنا تحديداً تبرز المسؤولية التاريخية لمشروع تحالف السودان التأسيسي… فالتأسيس لا يعني استبدال نخب بنخب أخرى، ولا تغيير أسماء المؤسسات والإبقاء على بنيتها القديمة، وإنما تفكيك قواعد الدولة التي جعلت السلاح مصدراً للشرعية السياسية…لا قيمة لأي مشروع تغيير إذا انتهى بجيش آخر يتدخل في الحكم. النجاح الحقيقي هو بناء نظام دستوري تصبح فيه المؤسسة العسكرية تحت السلطة المدنية والقانون، لا فوقهما، ويستحيل فيه انقلاب الجنرال على المواطن مهما امتلك من القوة.

وبعد اثنين وسبعين عاماً، لم يعد ممكناً إخفاء هذا التاريخ خلف الموسيقى العسكرية والأعلام والاحتفالات. السؤال ليس كم بلغ عمر الجيش، وإنما ماذا كانت حصيلة تلك السنوات على الدولة والشعوب؟ بلد انقسم، وأقاليم استنزفتها الحروب، وملايين قتلوا أو نزحوا عبر عقود الصراع، وانقلابات صادرت التحولات المدنية، ثم حاضر تصل فيه العقوبات إلى رأس المؤسسة ويدخل فيه استخدام الأسلحة الكيميائية سجلات المساءلة الدولية. تلك حقائق لا تستطيع الأناشيد دفنها ولا المناسبات محوها.

إن السودان الذي نحلم به لا يحتاج جيشاً للنخب، ولا جيشاً للحزب، ولا جيشاً للمركز، ولا مؤسسة تستمد عظمتها من قدرتها على إخضاع مواطنيها. يحتاج جيشاً للشعوب السودانية جميعاً؛ جيشاً للدستور لا للقصر، للحدود لا للسلطة، للمواطنة لا للامتيازات التاريخية. وعندما تتحرر البندقية من السياسة والأيديولوجيا والارتهان، يمكن أن يولد الجيش الذي يستحق الاحتفال؛ جيش يحمي الدولة ولا يحكمها، ويحرس المواطن ولا يحول اختلافه السياسي إلى قضية أمنية.

اثنان وسبعون عاماً من التجربة تكفي للحكم على السردية القديمة، وتكفي كذلك لإدراك أن إعادة إنتاجها لن تصنع مستقبلاً مختلفاً. المطلوب ليس الانتقام من مؤسسة أو إلغاء فكرة الجيش، وإنما تحرير الدولة من الجيش وتحرير الجيش من النخب والأيديولوجيا والمحاور الخارجية في آن واحد. آن للسودان أن ينتقل من دولة يحرسها السلاح إلى دولة يحرسها الدستور؛ ومن جيش تصنعه النخب لمصالحها إلى جيش تصنعه الشعوب لحماية وطنها.

شارك هذا الموضوع:

  • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
  • إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
  • المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
  • المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
  • المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X

معجب بهذه:

إعجاب جاري التحميل…
Tags: اخبار الدعم السريعاخبار السودان العاجلةاخبار حرب السودانالبرهانحرب السودان
Share197Tweet123Share49
نجم الدين دريسة

الجيش النخبوي : اثنان وسبعون عاماً من البطش

15 أغسطس، 2026
الأستاذ عبدالخالق عبداللطيف وداعة الله

أنباء عن هروب والي شمال كردفان وكبار ضباط الفرقة الخامسة من الأبيض

15 أغسطس، 2026
كامل ادريس

مجلس وزراء حكومة بورتسودان: برنامج «نور وماء لكل السودان» لتوفير الكهرباء والمياه خلال عام

14 أغسطس، 2026
السودان

مقتل القيادي بقوات العمل الخاص التابعة لجيش الحركة الإسلامية محمد ديدان

13 أغسطس، 2026
مسيرات في أم درمان

لليوم الثاني.. مسيّرات استراتيجية تواصل استهداف مواقع الجيش بعد هجمات متزامنة طالت عدة مدن سودانية

13 أغسطس، 2026

© 2025 rmc-sudan.net

No Result
View All Result
  • الأخبار
  • التقارير
  • الرياضة
  • المنوعات
  • الانباء الصحية
  • الرأي
  • انفوغرافيك
  • Home-EN

© 2025 rmc-sudan.net

error: Content is protected !!
%d