مقدمة: تشريح الأزمة بين الشعارات الدبلوماسية وواقع الصراع
تقتضي قراءة المشهد السوداني المعقد في لحظته الراهنة تجاوز الخطاب الإعلامي الدبلوماسي العابر للحدود، والغوص عميقاً في بنية الفاعلين الإقليميين وأدوات تأثيرهم المباشرة وغير المباشرة. لا تُقاس ثقل الدول ونفوذها الإقليمي بحجم الصناديق الاستثمارية أو أعداد المؤتمرات الصحفية وحزم المساعدات الإنسانية التي تدفع بها أثناء الأزمات الوجودية فحسب، بل تُقاس بالنتائج المباشرة لتلك الأدوات على الأرض: هل تُسهم في تجفيف منابع الحرب واجتثاث سلطة الفلول والتمكين العسكري، أم تُستغل لتمديد عمر سلطة الأمر الواقع وإدارة الأزمة بدلاً من حلها؟
يمتلك الإقليم، وفي مقدمته المملكة العربية السعودية، حزمة واسعة من خيارات التأثير الحاسمة—بدءاً من الاستثمارات والتبادل التجاري، مروراً بالموانئ والتحالفات البحرية، وصولاً إلى قنوات التواصل المباشر مع قيادات المؤسسة العسكرية في بورتسودان. غير أن السؤال المفصلي الذي يفرضه واقع الانقسام والانهيار الشامل هو: لماذا لم تتحول هذه الأوراق المتنوعة إلى أداة ضغط حقيقية تنهي معاقل الحركة الإسلامية في السلطة، وتوقف استنزاف الثروات القومية، وتضع حداً لاستخدام التمويل في إعادة إنتاج نظام الاستبداد؟
يرى «مركز رؤى الإعلامي» أن فهم هذا الدور يتطلب تفكيك شبكة المصالح الجيوسياسية والاقتصادية المعقدة، والتمييز الدقيق بين التضامن المبدئي مع تطلعات الشعب السوداني في الحرية والعدالة والمواطنة، وبين الحسابات البراغماتية الضيقة التي ترى في السودان مجرد ساحل أمني على البحر الأحمر، أو سلة موارد مفتوحة للاستثمار غير الخاضع للرقابة الشعبية.
أولاً: البحر الأحمر والأمن الغذائي.. تقاطع المصالح الجيوسياسية
يمثل السودان نقطة ارتكاز استراتيجية استثنائية على شريط البحر الأحمر؛ حيث تتشابك خطوط التجارة الملاحة الدولية مع ملفات الأمن القومي لدول الخليج والشرق الأفريقي. تتوزع الحسابات الإقليمية في التعامل مع الملف السوداني على عدة محاور حاكمة:
- السيطرة على الموانئ والشريط الساحلي: يمثل الساحل السوداني هدفاً حيوياً للتنافس الإقليمي والقومي. وتسعى القوى الإقليمية لضمان عدم وصول أطراف منافسة إلى تسهيلات بصرية أو قواعد عسكرية على البحر الأحمر، ما يجعل التعامل السريع مع “السلطة القائمة” في بورتسودان خياراً مريحاً بحكم منطق الأمر الواقع، حتى وإن كانت هذه السلطة تفتقر لأي تفويض ديمقراطي أو سند شعبي.
- استغلال الثروات الزراعية والحيوانية: يُمثل السودان العمود الفقري للأمن الغذائي الإقليمي بفضل أراضيه الشاسعة وموارده المائية والحيوانية. إلا أن الاستثمار في ظروف الحرب والانقسام السياسي يطرح إشكاليات سيادية خطيرة حول طبيعة العقود المبرمة، وشفافيتها، والجهة التي تحوز حق التوقيع والتصرف في أراضي المزارعين والمجتمعات المحلية.
| محور المصلحة الإقليمية | التعبير الميداني / السياسي | المخاطر على السيادة الوطنية |
| أمن البحر الأحمر | تفاهمات أمنية وتسهيلات لوجستية في الموانئ | تحويل الساحل السوداني إلى أداة في الصراعات الإقليمية والدولية. |
| الاستثمار الزراعي | عقود طويلة الأجل للأراضي والموارد المائية | استنزاف الموارد في ظل غياب البرلمان والرقابة المؤسسية المستقلة. |
| الملف الإغاثي | الجسور الجوية والمساعدات الإنسانية عبر الموانئ | استخدام الإغاثة كبديل عن الضغط السياسي الحقيقي لوقف القصف والانتهاكات. |
ثانياً: خطورة الشرعنة المباشرة لسلطة الفلول والانقلاب
يمثل التعاطي الدبلوماسي مع جنرالات بورتسودان باعتبارهم ممثلي الدولة الوحيدين طوق نجاة سياسي لسلطة فقدت مشروعيتها على الأرض. إن منحنهم الاعتراف السياسي والاستثماري دون اشتراط خطوات عملية نحو السلام الشامل يُنتج الآثار الكارثية التالية:
- تعزيز موقف الفلول التفاوضي: يتيح الاعتراف الخارجي لقيادات الجيش والحركة الإسلامية الادعاء بإمكانية إدارة البلاد والشرعنة الدولية دون الحاجة للوصول إلى توافق وطني مع القوى المدنية أو المكونات الميدانية الفاعلة.
- إضعاف مشروع التغيير المدني: يؤدي التعامل المالي والسياسي المباشر مع السلطة الانقلابية إلى تجريد القوى المناهضة للحرب، وعلى رأسها قوى «تأسيس» وحكومة السلام، من أوراق الضغط الدبلوماسي اللازمة لبناء دولة المواطنة المتساوية.
- تغذية اقتصاد الحرب: عندما تتحول مبيعات الذهب والموارد القومية والعقود الاستثمارية إلى مصدر تمويل رئيسي لخزينة بورتسودان، تتوفر للآلة العسكرية الإمكانيات المالية لشراء السلاح والعتاد وتجنيد مرتزقة الكتائب الإيدولوجية، مما يطيل أمد الصراع ويضاعف معاناة المدنيين.
ثالثاً: حدود المساعدات الإنسانية والواجب السياسي الأخلاقي
لا مناص من التمييز بين العمل الإنساني والمسؤولية السياسية؛ فالمساعدات الإغاثية الشاملة والتدخلات الطبية متى ما وصلت لمستحقيها تُعد جهداً مقدراً يخفف من ويلات الكارثة الإنسانية، غير أنها لا تملك آليات وقف الطائرات المسيرة، ولا تمنع قصف الأسواق الشعبية في نيالا، والضعين، والخرطوم، ولا ترفع الحصار عن المناطق المنكوبة.
إن الاستخدام المسؤول والمتوازن للنفوذ السياسي والاقتصادي يقتضي ربط أي تعاطٍ مع الأطراف السودانية بحزمة من الاشتراطات الصارمة:
- وقف القصف الجوي والعشوائي: الحظر الفوري لاستهداف الأعيان المدنية والأسواق الشعبية والمرافق الخدمية.
- فصل الموارد العامة عن التمويل العسكري: فرض الشفافية الكاملة على عقود الاستثمار والذهب لضمان عدم توظيف عائدات الشعب السوداني في شراء الأسلحة وإشعال المحاور.
- دعم عملية سياسية حقيقية: الانحياز الصريح لتطلعات الشعب السوداني في حكم مدني خالص، وتفكيك بنية التمكين الفاسدة، وإعادة بناء المؤسسات على أسس الوطنية والكفاءة بعيداً عن هيمنة الحركة الإسلامية.
خاتمة رؤى: نحو سودان السيادة والكرامة وإسقاط التبعية
إن تحليل «مركز رؤى الإعلامي» يخلص إلى أن السودان ليس مجرد أرض زراعية شاسعة تنتظر المستثمرين، ولا ساحلاً جغرافياً يُدار عبر الترتيبات الأمنية الفوقية. السودان مجتمع حي يملك الحق الكامل والغير قابل للتنازل في فرض سيادته على كامل أراضيه وموارده، وفي اختيار نظام حكمه المدني عبر إرادته الحرة.
إن المخرج الوحيد الممكن من دوامة الحرب والاستنزاف يمر عبر دعم مشروع «تأسيس» الشامل، الذي يقدم الرؤية السياسية والميدانية الكفيلة بدحر إرهاب الفلول، وقطع يد التدخلات التي تستغل ضعف الدولة السودانية، وبناء سودان جديد قائم على العدالة، والشفافية، والسيادة الوطنية المطلقة.


