الخرطوم / مروي / أديس أبابا — مركز رؤى الإعلامي
في واحدة من أعتى الفضائح الأخلاقية والعسكرية التي تلاحق سلطة بورتسودان والقيادة العسكرية لجيش الحركة الإسلامية، تتكشف التفاصيل الكاملة لإدارة برنامج سري ومحظر دولياً لتصنيع وتطوير ذخائر كيميائية باستخدام غاز الكلور القاتل، بغرض حسم المعارك القتالية في الخرطوم ومحيط مصفاة الجيلي.
يتتبع هذا التحقيق الاستقصائي الموسّع الخيوط الكاملة للملف عبر التقارير الاستخبارية، والمراسلات الدولية، والمواقع الصحفية والإعلامية التي تناولت هذه الجريمة، رديراً لمسار الكارثة من لحظة الفكرة وحتى التوجيه بالإزالة والتدمير.
أولاً: الهندسة والتصاميم الميدانية للذخائر
بدأ المخطط باقتراح عسكري قدمه العميد طارق حسين (رئيس مشروع قنابل الكلور)، حيث طرح حلاً يعتمد على توظيف غاز الكلور كعنصر حاسم لفك الخناق عن القوات المحاصرة في معركة الخرطوم.
وقام العميد حسين بتطوير ونشر رسومات ونماذج أولية لذخيرة هجينة تجمع بين:
- رأس حربي متفجر تقليدي.
- أسطوانة مدمجة تحتوي على نحو 33 رطلاً (قرابة 15 كيلوغراماً) من غاز الكلور القاتل.
وأشرف العميد حسين بشكل مباشر، ابتداءً من شهر يوليو 2024، على مصنع سري لتجميع هذه الذخائر خُصص مقره داخل مرافق مطار مروي العسكري.
ثانياً: خطوط الإمداد.. نهب الإغاثة وسرقة شحنات الكوليرا
كشفت التغطيات الاستقصائية عن الفضيحة الأكبر المتصلة بمصادر الحصول على الغاز، حيث اعتمد البرنامج على مصدرين رئيسيين:
- الاستيراد الخارجي: أفاد العميد حسين باستيراد 20 أسطوانة غاز كلور من مصر، مشيراً إلى أن هذه الكمية تكفي لصناعة نحو 1,100 قنبلة كيميائية.
- الاستيلاء على المساعدات الإنسانية (محطة المنارة): استغل القائمون على البرنامج الإمدادات المخصصة لمحطة المنارة لمعالجة مياه الشرب في أم درمان، وهي شحنات قادمة عبر تبرعات إنسانية دولية مخصصة للحد من تفشي موجات الكوليرا.
وثقت المراسلات الرسمية والتقارير الصادرة عن المنظمات الدولية حقيقة هذه الشحنات:
- الصليب الأحمر الدولي: أقر بتبرعه بـ 30 أسطوانة غاز كلور للمحطة عام 2023.
- منظمة «كير» الإغاثية: أكدت تقديم 35 أسطوانة خلال عامي 2024 و2025.
- منظمة «اليونيسف» (UNICEF): أكد متحدث باسمها تزويد ست محطات لمعالجة المياه بالخرطوم بغاز الكلور بين 2023 و2025 لأغراض التنقية.
ثالثاً: إنتاج الذخائر والتجارب الميدانية
بحلول شهر أكتوبر 2024، نجح المصنع السري بمطار مروي في تصنيع نحو 300 ذخيرة كيميائية، جرى تخزين معظمها داخل المطار تحت حراسة مشددة.
وقد شهد البرنامج اختبارات ميدانية سريعة:
- 22 يوليو 2024: إقلاع طائرة شحن عسكرية (أنتونوف) من مطار مروي لإجراء أول اختبار طيران وإسقاط تجريبي للذخائر.
- 13 سبتمبر 2024: إطلاق صواريخ وذخائر محملة بمواد “سامة” استهدفت محيط مصفاة الجيلي، وهو ما كشفت عنه قوات الدعم السريع في بيان رسمي اتهمت فيه الجيش ببدء استخدام الأسلحة الكيميائية.
رابعاً: التوجيه بالإزالة والتستر على الجريمة
عقب اتساع نطاق التسريبات وانكشاف أبعاد الفضيحة أمام الجهات الاستخبارية والمنظمات الدولية، أصدر عبد الفتاح البرهان تعليمات وصفت بـ “الحاسمة” إلى العميد طارق حسين تقتضي «إزالة جميع آثار أنشطة البرنامج وتفكيك المعامل وإخفاء أدلة التصنيع»، لمنع وصول فرق التفتيش الدولية أو تثبيت الجريمة جنائياً على قيادة بورتسودان.



