إسماعيل عبدالله
بالأمس دخل الجيش الفدرالي الاثيوبي مدينة “مقلي” عاصمة إقليم “تقراي”، بعد معارك طاحنة شنها ضد متمردي جبهة تقراي المدعومين من مصر وجيش الحركة الإرهابية بالسودان، شكل انتصار الجيش الاثيوبي على متمردي تقراي هزيمة مؤلمة للداعمين، الهادفين بيأس لإيقاف مشروع سد النهضة الذي نهض بعزم الرجال الاثيوبيين الوطنيين الأحرار، هذه المعادلة الخاسر الأكبر فيها هو جيش الحركة الإرهابية السوداني وقائده، فبمساندته للأجندة المصرية ضد اثيوبيا يكون قد منح الحكومة الاثيوبية المبرر الكافي لدعم جيش تأسيس بالتخوم السودانية الاثيوبية – جنوب النيل الأزرق، وبذلك يكون قائد جيش الحركة الإرهابية بالسودان قد فتح على نفسه جبهة خطيرة، لا يقوى على إطفاء نارها التي ستمتد الى شرق السودان حيث مقر حكومته النازحة الى بورتسودان ميناء السودان الأول، إثيوبيا ليست مثل ارتريا التي يحكمها دكتاتور، هو الوحيد الذي يقرر في مصير الشعب الارتري، إثيوبيا دولة فدرالية ديمقراطية مدنية يحكمها شعبها عبر رئيس وزراء منتخب، وشتان ما بين دولة المؤسسات ودول البلطجة العسكرية (إرتريا – مصر – السودان)، اضف لذلك التفاف الشعب الإثيوبي حول حكومته التي حققت قدر معتبر من التنمية، بوقوف جيش البرهان في صف حكومة السيسي سوف تتعرض سلطات بورتسودان وجيشها، لمزيد من العزلة الافريقية بخسارة جار عظيم مثل إثيوبيا، هذه الارهاصات لا شك ستعجل بذهاب سلطة البرهان في بورتسودان عاجلاً أم آجلاً.
قوة حكومة أبي أحمد سوف تدفع بالمعارضة الارترية لكي تشكل ضغطاً على حكومة الرئيس أفورقي، وبلا أدنى شك ستدعم الحكومة الاثيوبية المعارضة المسلحة الارترية الشاهرة للسلاح في وجه الطاغية المخضرم الذي حرم الارتريين حقوق المواطنة، والاثيوبيون لا ينسون خطأهم الاستراتيجي في منح ارتريا الاستقلال وفقدانهم للإطلالة البحرية بسواحل البحر الأحمر، ذلك الخطأ الذي خنق اثيوبيا اقتصادياً بحرمانها من أن يكون لها منفذاً بحرياً، فوقعت تحت رحمة ميناء جيبوتي، أظنها الفرصة التاريخية التي ينتظرها الاثيوبيون لإعادة رسم الخارطة بالقرن الافريقي، وهم أهل لذلك، لأنهم يجاورون جميع دول القرن الافريقي ويتداخلون معها نسيجاً اجتماعياً واحداً، لقد منح أفورقي أبي أحمد السانحة الأفضل ليعالج خطأ الانفصال الذي قرره سابقاً زعيما التقراي من البلدين (أسياس وملس)، وذلك بعد تحرير اثيوبيا العظمى مطلع تسعينيات القرن المنصرم، من دكتاتورية منقستو هاليماريام، دائماً العسكريون قصيري النظر في رؤية مستقبل بلدانهم، إنّهم يتسببون في انقسام هذه البلدان ثم يواجهون تبعات ذلك بإشعال الحروب الأهلية، التي لا تفرز سوى مزيد من الانقسام والانفصال، مثلما هو الحال بالنسبة للسودان، حيث لم يكتفي جنرالاته بفصل جنوبه عن شماله، بل سعوا اليوم لفصل الغرب عن ما تبقى منه، سيعالج أبي أحمد الخطأ بتغيير نظام حكم أسياس أفورقي الدكتاتور الذي يبغضه شعبه، ويساهم في استبدال حكمه العسكري بحكم مدني ديمقراطي كما هو حال إثيوبيا، هذا لأن الوحدة مجدداً بين البلدين تقف أمامها مستجدات طرأت على الساحة طيلة الفترة الزمنية الممتدة من تحرير اثيوبيا من الدكتاتور منقستو والى اليوم.
سلطات بورتسودان بعد تحرير الجيش الإثيوبي لاقليم تقراي ستدفع ثمن مناصرتها للأجندة المصرية ضد مشروع سد النهضة، أو بالأحرى ثمن وقوفها ضد تطلعات الشعب الاثيوبي وطموحاته في أن تصبح بلاده ذات مكانة مهيبة في المنطقة والعالم، لقد عاشت الحركة الإرهابية السودانية على إرث الماضي ولم تحسب لمستجدات الحاضر حساب، فهي مازالت تعتقد أنها بذات عنفوان تسعينيات القرن الماضي، الذي مكّنها من دعم حركات التحرر الوطني الارترية والاثيوبية التي أطاحت بالطاغية منقستو، ويتهيأ لها أنها بذات القدرات التي مكنتها من دعم إدريس دبي فأطاح بحسين حبري دكتاتور تشاد، أحلام زلوط هذه سوف تورط قائد الجيش الإرهابي عبد الفتاح البرهان، لأن الزمان غير الزمان والرجال غير الرجال، فقد جرت مياه كثيرة من سد النهضة تحت جسور النيل العظيم الممتد من بحيرة تانا حتى دلتا مصر، ومقولة أن التاريخ يعيد نفسه لا تنطبق على مثل هذه الحالة البرهانية الحالمة، فهو الآن في كماشة فكيها أبي أحمد شرقاً وجيش تأسيس غرباً، وقريباً يصبح حلم أبيه كابوساً يلاحقه في نومه وصحوه إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.



