رشا عوض
كلما كتبت مقالا فكريا يأتي متحذلقون في الغالب كيزان وبلغة امرة زاجرة يأمرونني بالكف عن الكتابة في قضايا فكرية لانها ليست سهلة مثل يوميات السياسة التي يجب ان احصر نفسي فيها ، ويكون ذلك مصحوبا بحديث استخفافي معمم على الصحافة وتنميط للصحفي بأنه بالضرورة كائن سطحي ومحدود بحدود الاخبار والمواضيع سريعة الذوبان وبالتالي لا يعتد برأيه مطلقا في قضايا فكرية! ربما ينطبق ذلك على صحافة بنكك وصحافة تلميع البوت العسكري ، ولكن ما هكذا تكون الصحافة الحقيقية ذات الدور التنويري الاخطر في المجتمع!
الصحافة الجادة من وظائفها الرئيسة ان تكون وسيطا امينا ونزيها يجعل المعارف المتخصصة والقضايا السياسية والفكرية المعقدة في متناول فهم الجمهور العادي الذي من حقه ان يعلم ويعرف عن كل موضوع تتأثر به حياته ، واهم مهارات الصحافة تلخيص وتبسيط ما هو معقد ومتشعب دون اخلال بصحة المعلومات والسياقات ووضوح الافكار وبلغة سهلة قادرة على توصيل المعنى دون تقعر او تعقيد يشتت تركيز المتلقي، وبهذا تستطيع الصحافة الناجحة في اشاعة المعرفة الضرورية لجميع افراد المجتمع على اختلاف مستوياتهم التعليمية ، المعرفة التي تؤهلهم للمناقشات الجادة في القضايا التي تؤثر على حياتهم وتساعدهم على تكوين ارائهم ومواقفهم وهم على بصيرة من امرهم.
وهذا هو سبب كراهية عصابات الاحتيال السياسي للصحافة الحرة ذات الدور التنويري! لان استثمارهم الرئيس في التجهيل والتضليل وتكريس الحالة القطيعية! يرغبون في صحافة لا تثير الجدل والتساؤل ولا تساعد احدا على مغادرة القطيع!
عند نشري لاي مقال في نقد الإسلام السياسي تتواتر التعليقات المحفوظة: هذه القضايا تحتاج الى علماء متبحرين في الشريعة والفقه والتاريخ الاسلامي ولا يمكن ان يتناولها صحفي جاهل! وانت غير مؤهلة للخوض في هكذا قضايا! والمضحك انهم يصدرون حكم الجهل هذا دونما دليل واحد من متن المقال المنشور! مثلا معلومة خاطئة ، خلل منهجي ، حدث تاريخي منزوع من سياقه الخ ، فالامر لا يعدو ان يكون زجر عن الخوض في مواضيع يؤدي الخوض فيها الى تهديد مصالحهم وايقاظ العقول التي يرغبون في ان تظل نائمة للابد!
شن كهنة الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى حربا ضارية على الذين ترجموا الانجيل الى اللغات الاوروبية!
زعم الكهنة ان اللغة اللاتينية مقدسة ويجب ان تظل هي لغة الانجيل!
سبب غضبة الكهنة هو ان ترجمة الانجيل الى اللغات الاوروبية المختلفة سيجعل كل مسيحي يقرأ انجيله بعيونه هو لا بعيون الكهنة! فالامر يقلل من سيطرتهم وانفرادهم بمعرفة الانجيل ومن ثم يساعد الناس على الانعتاق من سلطتهم!
الكهنة في كل زمان ومكان وعلى اختلاف اديانهم يعادون اي وسيط يجتهد في نقل المعرفة – اي معرفة – الى عامة الناس مباشرة !
يريدون الانفراد بعقول الناس واسماعها صوتهم فقط ! اي صوت الكهنة!
ساستمر في تكسير عدة الاحتيال! ابشروا !





