بمنطق القوة، وبعيدًا عن روح الحوار، مضى والي ولاية القضارف في إجراءاته تجاه مواطنين ظلوا مستقرين في منطقة غابة كو لعشرات السنين، في مشهدٍ يفتح أكثر من سؤال حول طريقة إدارة مثل هذه القضايا الحساسة، خاصة حين تتصل بالأرض، والاستقرار، وكرامة الإنسان.
فإن كان هناك نزاع حول أحقية التملك، أو قرار قانوني واجب التنفيذ، فإن الأصل أن يكون القضاء هو المرجعية، وأن تُدار الإجراءات بما يحفظ كرامة الناس، ويضمن حقوقهم، ويمنع تحويل الخلافات المدنية إلى مشاهد قوة وترويع. فالأرض، مهما تعقدت ملفاتها، لا ينبغي أن تُدار بمنطق الغلبة، وإنما بمنطق القانون والإنصاف والحكمة.
وقد عبّر هذا الرجل بوضوح عن أن الوالي لم يأتِ يومًا للاستماع إليهم، أو الوقوف على تفاصيل أوضاعهم، أو إدارة حوار مباشر معهم قبل اتخاذ الإجراءات. وهذا، في تقديري، هو جوهر الأزمة، فالمواطن لا ينبغي أن يشعر أن الدولة لا تراه، أو أن صوته لا قيمة له، أو أن قضاياه يمكن أن تُحسم بعيدًا عنه ودون سماعه.
إن أولاد خريس، كغيرهم من أهل السودان، لهم امتداداتهم الاجتماعية وصلاتهم المعروفة، ولكن قيمة المواطن لا تُقاس بالعدد ولا بالقبيلة، بل بحقه الأصيل في العدالة والإنصاف والكرامة. غير أن تجاهل البعد الاجتماعي في مثل هذه القضايا قد يوسع من آثارها، ويحوّلها من إجراء محدود إلى قضية رأي عام، لا سيما حين يشعر الناس أن الحوار ليست وسيلة ، وأن المعالجة جاءت فوقية وقاسية.
وإذا كانت الولاية ترى أن لديها سندًا قانونيًا، فإن عليها في المقابل واجبًا أخلاقيًا وإداريًا في توضيح الحقائق، وفتح باب الحوار، وتقديم معالجة عادلة تراعي الاستقرار الإنساني والاجتماعي، حتى لا تتحول القضية من ملف أرض إلى جرحٍ جديد في جسد المجتمع.
إن الحكمة في إدارة شؤون الناس لا تقل أهمية عن قوة القرار، والدولة حين تنصت لمواطنيها لا تضعف، بل تكسب احترامهم وثقتهم. أما حين يغيب الحوار والحلول ، فإن الأسئلة تكبر، والمرارات تتراكم، وتصبح كرامة الإنسان هي العنوان الأكبر لكل قضية





