التنوير تقرير خاص
في تأبين مهيب حمل شعار “غاب الجسد وبقي الأثر”.. الصحفيون والسياسيون وأهل الجزيرة أبا يستعيدون سيرة رجلٍ عاش للسلام ورحل تاركاً وجعاً لا يُحتمل
لم يكن مساء التأبين الذي نظمته نقابة الصحفيين السودانيين للصحفي الراحل يوسف سراج الدين وزوجته مجرد مناسبة للعزاء أو استعادة الذكريات، بل بدا وكأنه لحظة وطنية نادرة توقفت فيها الانقسامات السياسية والمهنية والاجتماعية أمام سيرة رجل أجمع الجميع على نُبله ودماثة خلقه وإنسانيته الاستثنائية.
ففي القاعة التي ازدحمت بالصحفيين والناشطين والسياسيين وأبناء الجزيرة أبا، كان الحزن واضحاً في الوجوه، وكانت الدموع حاضرة في الكلمات والصمت معاً، بينما ارتفع شعار التأبين “غاب الجسد وبقي الأثر” ليختصر حكاية رجل رحل فجأة، لكنه ترك خلفه أثراً عميقاً في القلوب والمهنة والحياة العامة.
حين بكت الصحافة أحد أنبل رجالها
جاء التأبين بعد أيام من الفاجعة التي هزت الوسط الصحفي السوداني، إثر رحيل يوسف سراج الدين وزوجته في حادث حركة أليم بدولة الإمارات العربية المتحدة، في خبر نزل كالصاعقة على زملائه وأصدقائه وكل من عرفه عن قرب أو تابع مسيرته المهنية والإنسانية.
ومنذ إعلان الوفاة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى دفتر عزاء مفتوح، حيث تدفقت كلمات الرثاء من مختلف التيارات السياسية والفكرية، في مشهد نادر بدا وكأنه إجماع وطني على محبة الرجل واحترامه.
فقد نعاه الصحفيون من مختلف المدارس، وكتب عنه السياسيون والناشطون وأبناء الجزيرة أبا وكل من تعامل معه، بينما امتلأت الصفحات بصورته وكلمات الوداع، في دلالة واضحة على المكانة الخاصة التي احتلها في وجدان الناس.
“كان رجل سلام لا يعرف الكراهية”
وفي كلمة مؤثرة خلال التأبين، تحدث الأمين العام لنقابة الصحفيين السودانيين الأستاذ محمد عبد العزيز عن مآثر الفقيد، واصفاً يوسف بأنه “رجل قومي كان همه السلام”، مؤكداً أنه سخر قلمه للدفاع عن قضايا الحريات والتحول الديمقراطي والسلام الاجتماعي.
وأشار إلى أن الراحل كان يتمتع بعقلية متزنة وقدرات فكرية ومهنية عالية، وأنه لعب دوراً كبيراً داخل النقابة، حيث كان كثيراً ما يُلجأ إليه في لحظات الخلاف والتباين، فيقدم الرأي الحكيم والحلول الأكثر توازناً.
وأضاف أن الصحافة السودانية فقدت برحيل يوسف أحد أهم أقلامها في لحظة بالغة التعقيد من تاريخ البلاد، مشيراً إلى أن الرجل لم يكن مجرد صحفي محترف، بل صاحب رسالة إنسانية ووطنية تتجاوز حدود المهنة.
ولم تكن كلمات محمد عبد العزيز وحدها هي التي حملت هذا المعنى، بل تكررت ذات الصورة في أحاديث زملائه وأصدقائه، الذين أجمعوا على أن يوسف ظل طوال حياته منحازاً لقضايا الناس، ومناهضاً لخطابات العنصرية والكراهية التي مزقت المجتمع السوداني خلال سنوات الحرب.
الجزيرة أبا تستعيد ابنها الراحل
وكان لأبناء الجزيرة أبا حضور لافت ومؤثر خلال مراسم التأبين، حيث تحدث عدد من زملائه وأبناء منطقته عن ارتباطه العميق بالجزيرة أبا وقضاياها الاجتماعية والإنسانية، مؤكدين أنه ظل مهموماً بخدمة المنطقة والعمل من أجل تعزيز التعايش والسلم المجتمعي.
وأشاروا إلى أن الراحل كان يحمل مشروعاً إعلامياً خاصاً بالجزيرة أبا، يتمثل في منصة وصحيفة إلكترونية كان ينوي إطلاقها باسم “الجزيرة أبا”، بهدف نقل قضايا الناس وتعزيز الروابط الاجتماعية ومواجهة الانقسامات وخطابات الكراهية.
وقال متحدثون إن يوسف كان يؤمن بأن الإعلام ليس مجرد مهنة لنقل الأخبار، بل أداة لبناء الجسور بين الناس، وتقريب المسافات بين المجتمعات التي أنهكتها الحروب والصراعات.
وأكدوا أن أكثر ما كان يؤلمه خلال سنوات الحرب هو حالة التشظي الاجتماعي وتصاعد العنصرية، لذلك ظل يعمل بهدوء على إطلاق مبادرات تسهم في تخفيف الاحتقان وبناء خطاب وطني جامع.
كلمة أبكت الحاضرين
لكن اللحظة الأكثر تأثيراً في التأبين جاءت مع كلمة الأستاذ الصحفي الجميل الفاضل، شقيق الراحل، الذي تحدث بصوت مثقل بالحزن، لكنه مليء بالفخر أيضاً.
قال الجميل إن ما كان يربطه بيوسف لم يكن مجرد رابطة إخاء، بل علاقة صداقة عميقة وزمالة ومساندة إنسانية لا تُقدّر بثمن، واصفاً إياه بأنه “أخ وصديق ومستشار وسند”.
وتحدث عن الجانب الإنساني في شخصية يوسف، مؤكداً أنه لم يكن فقط صحفياً ناجحاً، بل أباً استثنائياً استطاع أن يغرس في أبنائه قيماً عظيمة ظهرت بوضوح بعد رحيله.
واستعاد الجميل لحظة وقوف ابن الراحل، باسل، أمام جثماني والديه، وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، حين تعهد بالمضي في الطريق الذي رسمه والداه، في مشهد أبكى الحاضرين وأدهشهم بقدرته على التماسك وتحمل الصدمة.
وقال الجميل إن الفقد أكبر من الاحتمال، وإن رحيل يوسف وزوجته معاً ترك جرحاً عميقاً يصعب وصفه بالكلمات، لكنه عاد ليؤكد أن يوسف وإن غاب جسداً، فإن أثره سيبقى، وأن المستقبل سيشهد “أكثر من يوسف” ممن يحملون ذات القيم والمبادئ.
رجل وحد السودانيين بعد رحيله
ربما كان المشهد الأبرز في قصة رحيل يوسف سراج الدين هو ذلك الإجماع الإنساني النادر الذي أحاط بذكراه. ففي بلد مزقته الحرب والانقسامات والاستقطابات الحادة، بدا وكأن موت يوسف أعاد الناس للحظة إلى مساحة مشتركة من الحزن الصادق.
الكل بكى يوسف.. من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن الصحفيين إلى السياسيين والنشطاء والمواطنين العاديين. الجميع تحدث عن رجل مختلف، عن إنسان عاش بسيطاً ونبيلاً ومحباً للناس.
ولعل هذا ما جعل رحيله يبدو أكبر من مجرد فقدان صحفي بارز، بل فقدان جزء من روح السودان التي لا تزال تقاوم الخراب والكراهية والانقسام.
لقد غاب يوسف سراج الدين، لكن الأثر الذي تركه في النفوس وفي المهنة وفي ذاكرة الناس، بدا واضحاً في تلك الدموع التي لم تكن تبكي صحفياً فقط، بل تبكي إنساناً نادراً من طينة يصعب تكرارها.





