د. أحمد التيجاني سيد أحمد ١٢ يناير ٢٠٢٦ روما ايطاليا
ملخص تنفيذي
هذا مقال سردي تحليلي مطوّل، يستند إلى شهادة شاهد عصر فريد، لتفكيك نمط التصفيات داخل منظومة حكم الكيزان منذ بداياتها الأولى. يضع المقال حادثة تصفية الزبير محمد صالح في سياقها السياسي–الأمني–الاجتماعي، بوصفها نتيجة منطقية لبنية حكم تأسست على الإقصاء، وكسر الحواضن المستقلة، وإدارة الصراع بالعنف لا بالمؤسسية.
لم تكن التصفيات داخل منظومة الاخوان المسلمين (الكيزان) حوادث عرضية أو أخطاء فردية، بل شكّلت منذ وقت مبكر آلية حكم كاملة لإدارة الصراع الداخلي. في هذه الدولة، لم يكن الخلاف يُدار بالحوار أو التنافس السياسي، بل بمنطق الإقصاء: عزلٌ سياسي حين يكون العزل كافيًا، وتصفية جسدية حين يفشل العزل.
وتضم قائمة التصفيات داخل المنظومة أسماء من مواقع وأدوار مختلفة: الزبير محمد صالح، شمس الدين عبد الله (زوج وداد)، مجذوب الخليفة، فتحي خليل والي الشمالية، اللواء جمال زمقان نائب مدير الصناعات الدفاعية، والصحفي محمد طه محمد أحمد، وغيرهم. هذا التعدد في المواقع يكشف أن التصفية لم تكن مرتبطة بالمعارضة، بل بالاختلاف داخل البيت نفسه.
في قلب هذا النمط، تبرز حادثة تصفية الزبير محمد صالح بوصفها اللحظة الأكثر دلالة. فالزبير لم يكن شخصية هامشية، بل الرجل الثاني فعليًا في دولة الانقلاب، صاحب نفوذ عسكري واقتصادي واسع، وواجهة مقبولة داخل المؤسسة العسكرية
لكن هذا النفوذ نفسه تحوّل إلى عبء. سبقت التصفية مرحلة عزل صامت: تقليص الصلاحيات، تشديد الحلقة الأمنية، وازدياد الريبة. ووفق إفادات الصحفي محمد الفاتح سيد أحمد، نقل عن أحد مساعدي الزبير، وهو ضابط بالجيش يُدعى عبدالرازق، أن الزبير كان يردد: «ما داير أقابل الكيزان ديل». عبارة قصيرة، لكنها كاشفة لانهيار الثقة.
لم يكن الزبير معزولًا اجتماعيًا. على العكس، ظل منتميًا بعمق إلى أهله النوبيين، بوصفهم حاضنة اجتماعية–مطلبية–تنموية متقدمة الوعي، قادرة على النقد والمساءلة حتى لأبنائها في أعلى مواقع السلطة. هذا الارتباط المستقل أبقاه خارج منطق الطاعة العمياء، وأثار قلق قيادة انقلاب الكيزان التي رأت فيه رجلًا يصعب تطويعه أو فصله عن مجتمعه.
في بنية حكم تقوم على كسر الحواضن المستقلة وتجريم الخطاب المطلبي، كان هذا العامل كافيًا لتآكل الثقة. ومع تراكم النفوذ والمعرفة الداخلية، أصبح الزبير ملفًا أمنيًا لا سياسيًا.
جاءت النهاية عبر أداة الدولة نفسها: رحلة جوية عسكرية، ترتيبات أمنية محكمة، ثم سقوط الطائرة. لا تحقيق مستقل، لا مساءلة، ولا أسئلة مسموحة. أُغلق الملف بسرعة غير طبيعية، وتحولت الواقعة إلى قضاء وقدر. لكن في الأنظمة الشمولية، حين يُغلق الملف بهذه السرعة، فذلك قرار لا مصادفة.
و من السرد الواسع للأحياء للحظات ما قبل سقوط الطايره فان الزبير قد قتل بطلقة اطلقها علي رأسه من الخلف الضابط “ذ. الطب سيخة” و الذي كان من الناجين .
ولم يتأخر تثبيت الرواية البديلة. ففي صباح اليوم التالي مباشرة، دعا الطيب سيخة رهطًا من كبار الصحفيين إلى منزله على إفطارٍ مُدبَّر بعناية، بمن فيهم الصحفي محمد الفاتح سيد أحمد. لم تكن الدعوة لتقديم العزاء، بل لتلقين القصة الرسمية: «خطأ فادح من قايد الطائرة»، هو وحده ما أدى إلى سقوط الطائرة في النهر، وهو — بالمصادفة — ما مكّنه وآخرين من القفز والسباحة والوصول إلى اليابسة والنجاة.
لكن هذا السلوك، في ذاته، كان إدانة. فمن ينجو من حادث جلل، ثم يسارع إلى جمع الصحافة، وتحديد المتهم، وصياغة الرواية قبل أي تحقيق، لا يفعل ذلك بدافع التوضيح، بل بدافع السيطرة على السرد. وفي دولة الأمن، السيطرة على السرد هي المرحلة الأخيرة من التصفية.
الأدلة السياسية الأوضح ظهرت بعد الغياب: إعادة توزيع مراكز القوة، صعود أجنحة، واختفاء أسئلة كانت تُهمس بها. هكذا تُقرأ التصفية: ليس بما قيل، بل بما تغيّر.
في هذا السياق، تكتسب شهادة الصحفي محمد الفاتح سيد أحمد وزنها الكامل. فقد كان في قمة هرم الإعلام الرسمي منذ ما قبل سنوات الإنقاذ الأولى، مديرًا للإعلام الإنجليزي بوكالة الأنباء السودانية، ثم نائبًا لمديرها العام، قبل أن تحيله حكومة الإنقاذ، بعد عدد مبكر من سنوات حكمها المتسلط، إلى الصالح العام
بعد الإبعاد، انتقل إلى العمل الصحفي الخارجي: مديرًا لمكتب صحيفة الاتحاد (أبوظبي)، ومراسلًا لعدة صحف بريطانية، ومراسلًا لوكالة الأنباء الإيطالية ANSA. هذا الموقع المزدوج، داخل الدولة ثم خارجها، منحه معرفة نادرة بكيفية صناعة الرواية الرسمية وكيفية اختبارها خارجيًا.
في إفاداته، يروي محمد الفاتح تفاصيل لقاءات مبكرة رتّبها غازي صلاح الدين لوسائل إعلام أجنبية مع عمر البشير، وحسن الترابي، ونافع علي نافع. ويصف حدة مواجهة نافع حين تكرر السؤال عن بيوت الأشباح، وغضبه، وإنكاره، وتأكيده المتكرر: «أنا سياسي ولست استخباراتيًا».
هذه الشهادة لا تُقدَّم كاتهام، بل كسياق كاشف لطبيعة السلطة ولغتها في مواجهة السؤال. وقد دفعت هذه المواقف محمد الفاتح إلى متاعب مباشرة مع جهاز الأمن، شملت الاعتقال، وزيارات بيوت الأشباح، وتهديدات شخصية، ووصمه زورًا بالشيوعية، وهي تهمة أمنية جاهزة كانت تُلصق بكل تقدمي يؤمن بالحريات العامة.
بهذا المعنى، فإن شهادة محمد الفاتح ليست رأيًا، بل وثيقة وعي. شهادة من عاش صناعة الصمت، وعرف كيف تُغلق الملفات، وكيف تتحول الجرائم إلى حوادث.
خاتمة قاصمة
بعد هذه الشهادة، لا يبقى للإنكار مكان إلا بوصفه شراكة واعية في الجريمة؛ فهكذا تأسّس عصر الكيزان منذ يومه الأول: قمع منظّم، وأسئلة محرّمة، وتصفيات تُدار بدم بارد — سياسة حكم لا حادثة، ومنهج دولة لا خطأ عابر.
مراجع
حوالينا و لا علينا :عندما صارت التصفيات الدموية بين الكيزان تقليدا مقدسا.
سودانيزاونلاين د. احمد التيجاني سيد احمد ٢٩ يوليو ٢٠٢٣ روما ايطاليا
بريد الكترونيً





