عقدة النخبة – “الأفندي المخصي” سياسياً
من جنية 1 يعادل 3 دولار إلى دولار 1 يساوي 4000 حسرة:
كيف سرق الأفندي عرق الجباه وحولنا إلى شحاذين؟
بقلم: مجدي محمد مصطفى ماكن
في المقالات السابقة، قمنا بتشريح “الأفندي” سياسياً ونفسياً، وأثبتنا أنه “مخصي” وعاجز عن بناء الدولة. اليوم، سنترك الفلسفة جانباً، ونتحدث بلغة “الدفاتر”. اللغة التي لا تكذب. سنسأل سؤالاً واحداً مرعباً: أين ذهبت ثروة السودان؟ كيف تحولت الدولة التي استلمها الأفندي وعملتها أقوى من الدولار الأمريكي، إلى دولة يتسول مواطنها رغيف الخبز، وانهارت عملتها لتصبح مجرد “ورق ملون” لا قيمة له؟
ما حدث للاقتصاد السوداني ليس “فشلاً إدارياً” يمكن تبريره بقلة الخبرة.. بل هو “عملية نهب مسلح” استمرت لسبعين عاماً. الأفندي لم يحكم السودان، بل “سرقه”.
الجريمة بالأرقام: قصة السقوط الحر.
دعونا نعود إلى “مسرح الجريمة” الأول: صباح الأول من يناير 1956. عندما خرج المستعمر الإنجليزي، سلم “الأفندي” دولة كاملة الدسم. خزينة ممتلئة، مشاريع منتجة، وخدمة مدنية منضبطة. في ذلك اليوم، كان الجنيه السوداني الواحد يساوي 2.8 إلى 3 دولارات أمريكية. نعم، اقرأ الرقم مرة أخرى. عملتنا كانت أقوى من الدولار، وأقوى من الريال السعودي (الذي كان لا يذكر حينها)، وتنافس الجنيه الإسترليني.
ماذا حدث اليوم؟ اليوم، الدولار الواحد تجاوز عتبة الـ 4000 جنيه سوداني والعداد ماشي. هذا ليس مجرد “تضخم”.. هذا “انسحاق تام”. هذا يعني أن الأفندي، وعبر سياساته الرعناء وفساده الممنهج، قام بسرقة “قيمة” الجهد البشري للمواطن السوداني. عندما تنهار العملة بهذا الشكل، فهذا يعني أن مدخرات جدك، وعرق والدك، وشقاء عمرك، ومستقبل ابنك، قد تبخرت وتحولت إلى أرصدة في بنوك ماليزيا والخليج ولندن لصالح فئة محددة.
الأفندي لم يسرق المال من جيبك فقط، بل سرق “قيمة” حياتك.
الاستعمار “بنى”.. والأفندي “أكل” هذه حقيقة مرة يجب أن نبتلعها: المستعمر الإنجليزي، رغم طمعه، كان يؤسس لاقتصاد “إنتاجي”. بنى مشروع الجزيرة (أكبر مشروع مروي في العالم)، مد خطوط السكة حديد لتربط البلاد، شيد المحالج والمصانع. كان يريد أن ينهب، نعم، لكنه كان يعلم أن النهب يتطلب “إنتاجاً”.
جاء الأفندي، وورث هذه الماكينة الضخمة. فماذا فعل؟ بدلاً من أن يطورها، تعامل مع الدولة بعقلية “الغنيمة”. الأفندي بطبعه “طفيلي” (Parasitic). هو لا يزرع، ولا يصنع، ولا ينتج. هو يجلس في المكتب المكيف في الخرطوم، وينتظر أن تأتيه عوائد القطن من الجزيرة، وعوائد الصمغ من كردفان، وعوائد الماشية من دارفور، وعوائد الذهب من الشمال والشرق.. ليصرفها على رفاهيته، وعلى “مخصصات” طبقته، وعلى “شراء الولاءات”. والذمم.
تحول الاقتصاد من “اقتصاد إنتاج” (زراعة وصناعة) إلى “اقتصاد ريعي” (سمسرة ومضاربات). أهملوا الزراعة لأنها تحتاج “عمل وصبر”، واتجهوا لبيع أراضي الدولة، وبيع خط هيثرو، والمضاربة في الدولار. تحول الأفندي من “رجل دولة” إلى “تاجر عملة” وسمسار في السوق العربي!
تمويل “الإبادة” من جيب “الضحية” قمة الفجور الاقتصادي للأفندي تظهر في كيفية إدارته للموارد المالية. أين ذهبت فوائض الميزانيات طوال السنين؟ وأين ذهبت أموال البترول التي تدفقت كالشلال في العقدين الماضيين؟ هل بنى بها مستشفيات؟ لا. هل طور التعليم؟ لا. لقد أنفقها على “آلة الحرب”. الأفندي أخذ عائدات البترول المستخرج من الجنوب وكردفان وعائدات الذهب من دارفور والشرق والشمال، واشترى بها طائرات “أنتونوف” وبراميل متفجرة.. ليقصف بها نفس المناطق التي أنتجت هذه الثروة!
يا لها من مفارقة شيطانية! المواطن في الهامش يعمل وينتج، والأفندي يأخذ هذا المال ليشتري به الرصاصة التي يقتل بها ابن ذلك المواطن. هذا ليس فساداً مالياً فحسب.. هذه “دورة اقتصادية للإبادة الجماعية”
من “سلة غذاء العالم” إلى “رجل أفريقيا المريض” في السبعينيات، رفع الأفندية شعار “السودان سلة غذاء العالم”. صدق العالم الكذبة، وتدفق المستثمرون. لكن، كيف تكون سلة غذاء وأنت دمرت مشروع الجزيرة؟ كيف تكون سلة غذاء وأنت أشعلت الحروب في مناطق الإنتاج المطري (النيل الأزرق وجبال النوبة)؟ كيف تكون سلة غذاء وأنت فرضت ضرائب باهظة “جبايات “على المزارع البسيط حتى ترك أرضه وهاجر ليبيع “مناديل” في تقاطعات الخرطوم، أو يركب “السمبك” ليموت في المتوسط؟
النتيجة الحتمية لهذا العبث هي ما نراه اليوم: السودان، الذي يجري فيه أطول نهر في العالم، ويمتلك أخصب أراضٍ في أفريقيا، يستجدي اليوم “برنامج الغذاء العالمي” (WFP) ليرمي له فتات الإغاثة. تحولنا من مشروع “سلة الغذاء” إلى “رجل أفريقيا المريض”. دولة غنية بمواردها، فقيرة بإدارتها، متسولة بقرار سياسي من نخبتها. ويا للمفارقة حتى برنامج الغذاء العالمي كان يمنع، يرفض النخبوي “الخصي” له أن يقدم مساعدات للجائعين باسم “السيادة”. لقد أصبح الأفندي يستخدم الغذاء كسلاح في الحروب العبثية.
الخلاصة: الأفندي “لص” لا يؤتمن يجب أن نكون واضحين: الأزمة الاقتصادية في السودان ليست بسبب “الحرب الحالية” فقط، الحرب هي النتيجة وليست السبب. السبب هو أننا سلمنا مفتاح الخزينة لـ “لص” يرتدي بدلة أنيقة. الأفندي دمر “الجنيه” لأنه لا يعرف قيمة “العمل”. ودمر “الإنتاج” لأنه يحتقر “المنتجين” (أهل الهامش والريف).
لذلك، أي حديث عن “إعادة الإعمار” أو “الإصلاح الاقتصادي” في وجود نفس العقلية (عقلية الأفندي ودولة 56) هو ضرب من الجنون. لا يمكن أن تطلب من اللص الذي سرق مستقبل أجيال من السودانيين أن يعمر أو يصلح.
الحل الاقتصادي الوحيد يبدأ بكنس هذه الطبقة الطفيلية، وتسليم إدارة الموارد لـ “تحالف المنتجين” الحقيقيين. تحالف يؤمن بأن الدولار يجب أن يأتي من المصنع والمزرعة، لا من “شحذه” المنظمات أو بيع الكرامة في المطارات.
المقال القادم: سيكون مخصصاً لتشريح جثة (مشروع الجزيرة)، وكيف اغتال الأفندي المارد الأخضر عمداً مع سبق الإصرار والترصد.





