إيهاب مادبو
من الأهازيج والاغنيات المصاحبة للمصارعة بإقليم جنوب كردفان / جبال النوبة ، هي ما انتجها العقل الشعبي لإنسان المنطقة بتوظيفه التفاعل الكيميائي لثقافتين متجاورتين ، استطاعتا إنتاج موروث ثقافي عبّر عن إنصهار حقلين ثقافيين مختلفيين.
ونموزج لذلك إيقاع الدرملي الذي يعتبر مولودا شرعيا لتزواج بين ثقافات مختلفة بجبال النوبة ضمن سلسلة حركة ثقافية لتلك المجموعات فيما بينها “فوِلد” هذا النوع الجميل من الإيقاع ذات اللألحان الدائرية والتي اتفق الجميع علي نسب سلالته للمنطقة وليس لقبيلة او جهة عشائرية، فيقولون اصل الدرملي هي منطقة الليري وآخرون يقولون بأنه اصل نبته هي مدينة تالودي العاصمة التاريخية لجبال النوبة.
قبيلة الرواوقة وهي احدي بطون قبيلة الحوازمة والتي تسكن بكادوقلي والريف الشرقي، وطّنت نفسها علي ترجمة مفهوم التعايش المجتمعي والتساكن الثقافي، فأنصهرت مع المجموعات النوبية خصوصا مجموعة “الكقالو” لدرجة كبيرة فذابت بينهما العديد من حواجز “اللغة” والتواصل، فأحيانا قد لاتميز كثيرا بين ولاد نوبا الفقراء بمنطقة ” العتمور” وبين قبيلة “المورو” التي تعمقّت بينهما روابط الدم واللغة واصبح التراث المادي والمعنوي بينهما مشتركاً.
وفي طقوس المصارعة والتي تتزامن دائما مع موسم” الدرت” حيث تكون الارض قد اوفت بما التزمت به في باطنها من خيرات، فتنتظم المنطقة كرنفالات من الالعاب الشعبية ، اشهرها المصارعة اللعبة الشعبية المميزة بجبال النوبة والتي اجادها الحوازمة وهي تعكس نموزجا إيجابياً لتعايش الثقافات المتجاورة، وتحظي المصارعة بحضور شعبي كبير فهي تمثل اللعبة الأكثر شهرةً بجبال النوبة.
وتتخلل ممارسة المصارعة طقوس شعبية مختلفة من جميع المكونات الإجتماعية، تعبّر عنها أهزوجات”السبارة” والتثاقف الشعبي الذي انتج ادبيات ترجمت من قيم التعايش المجتمعي بين شعوب النوبة والحوازمة، وحينما ينتصر فارس من الحوازمة تلتهب الساحة بالحماس
النوبة شوفو ليكو طريقة
دا اللبن الغلب العصيدة
وبالمقابل فحينما فارس من النوبة كذلك تهتز الارض من بين اقدام الجماهير
العرب شوفو الأكيدة
دا السمسم سوا النجيضة
ومابين “العصيدة” و” السمسم” افراح معبأة بداخل”السويبة” التي تختزن بداخلها مخزونا إستراتيجيا مشبعاً بتلك الخيرات التي تنتجها هذه الأرض بـ”عضلات” الإنتماء واليقين.
وشعب الحوازمة أستيقظ أخيراً من حالة الإغماء والتنويم المغناطيسي الذي مارسته عليه النخب المركزية ” الجلابة” علي مر العصور ، وجعلت منه “حربة” تحركها الايادي من المركز لتمرير أجندة سياسية تهدف الي تمزيق النسيج الإجتماعي، من أجل تحلل هذه النخبة السياسية الحاكمة من إلتزاماتها تجاه هذه الشعوب المهمشة ومن أجل كذلك ان تستمر في مقاعد السلطة علي جماجم الأبرياء.
وخلال الاسبوع الماضي نزح أكثر من الف أسرة من قبيلة الحوازمة بعملية تهجير قسري ممنهج من قبل الجيش، بعد أن إستهدف فرقانهم وحرقها وقتل العديد من “الصبيان” علي اساس التنميط الإجتماعي وتوصيفهم كحواضن للدعم السريع،وقد أستقبلتهم الحركة الشعبية وقواعدها بمناطق سيطرتها وتقاسمن نساء تلك المناطق”اللداية” مع نساء الحوازمة ، وبعد سنوات طويلة تلتحم مشائج النوبة والحوازمة ولسانهم يلهج بتلك الأهازيج “الجلابة شوفو ليكو ريسة”