بقلم: مجدي محمد مصطفى ماكن
في لحظات الرعب والانهيار والأزمات الوجودية التي تواجهها، تفقد منظومات الظلم قدرتها على المناورة والمراوغة، وتتساقط عنها أقنعة “القومية” الزائفة. حين تعمى البصيرة بفعل الخوف و الطغيان، ترتد هذه الأنظمة بشكل غريزي وانكماشي نحو نواتها القبلية والمناطقية الصلبة، ولا ترى من خريطة الوطن الواسعة سوى انتماءاتها الضيقة التي طالما أنكرتها في خطاباتها الرسمية.
رغم الصراخ المتعالي بشعارات “السيادة”، والضرب بوحشية لحماية امتيازات تاريخية “غير شرعية” ومختطفة، تتعرى هذه المنظومة اليوم من كل قيمة وطنية؛ لتقف بلا ورقة توت، كاشفة عن بنية قبلية وعنصرية تتستر خلف مؤسسات الدولة.
يتجلى هذا الانكشاف الهيكلي بأوضح صوره في التشكيل الأخير لقيادة هيئة أركان ما يسمى ب “الجيش السوداني”.
لقد أسقطت “دولة 56” كل مساحيق التجميل، وتخلصت من “الكومبارس” العسكري و من “الرموز التضليلية”، لتقصي أبناء الهامش نهائياً عن دوائر صنع القرار العسكري الحقيقية – وعلى رأسهم الفريق كباشي الذي وُضع عملياً قيد الإقامة الجبرية – مسلمةً مفاتيح المؤسسة العسكرية بالكامل لقائمة أسماء تنتمي حصرياً لمثلث المركز، وتحديداً لقبيلة “الشايقية”.
هذا الإعلان الفج عن احتكار مؤسسات الدولة، يضعنا أمام مفترق طرق حاسم، ويفرض علينا طرح حزمة من التساؤلات المنطقية التي تتطلب تفكيكاً دقيقاً:
مصائر التحالفات المؤقتة:
ما هو المصير السياسي لنخب الزغاوة، تلك التي حملت لواء الحرب نيابة عن المركز؟ و هي تمني نفسها ب بدولة “زغاوستان” في دارفور؟
كيف سيتم التعامل معهم بعد أن قضي منهم الأعور المسعور “وطراً” .. هل سيستمرون “بنادق مأجورة” تقاتل لحماية ذات الكارتيل الذي أباد أهلهم بالأمس القريب، وتمكينه من تأسيس دولة النهر و البحر؟
“مثلث حمدي” من النظرية إلى التطبيق:
هل يُعد إعلان “دولة شايقستان” داخل الجيش المختطف، مقدمة عملية لكشف خطة عبد الرحيم حمدي القديمة ووضعها موضع التنفيذ العلني؟
وهل تمهد المنظومة بهذه الخطوة لبروز منبر “سلام عادل” جديد يشرعن قيام دولة القبيلة داخل هذا المثلث؟
موقف المكونات الصامتة:
ما هو موقف بقية القبائل والمكونات الاجتماعية داخل “المثلث” أمام هذا التمدد القبلي المفضوح الذي يحتكر السلطة والثروة باسمهم جميعاً؟ و يشن حروب الإبادة الجماعية و ينشر الكراهية و العنصرية في كل الارجاء.
و ما هو موقف الأحزاب السياسية والتيارات المدنية، التي هي أيضا بدورها تعاني من ذات الداء!؟ داء السيطرة القبلية و الجهوية.
ما هو موقفها من تحويل هيئة الأركان الى “ضيعة” قبلية؟
معضلة القدرة والتنفيذ:
أما السؤال الأهم من كل ذلك؛ هل يمتلك “الأعور المسعور” القدرة الديموغرافية والعسكرية لفرض حدود “مثلث حمدي” المتوهمة بقوة السلاح، أم أنه سيستمر في استنزاف دماء أبناء الهامش داخل الجيش لتحقيق ذلك؟ و كيف يمكننا إنقاذ جنود الجيش الذين ساقهم حظهم العاثر و سياسات الإفقار المتعمد لمناطق الهامش إلى دخولهم إلى هذا الجيش العنصري؟
من محور (على التوم – قدح الدم – الملك جربو) إلى محور (قوش – عُشر – مناوي)
إن هذه الجريمة التاريخية المتمثلة في تحويل مؤسسات الدولة إلى “سرايا” قبلية، تقف شاهداً صارخاً على عدالة ومشروعية مطالب أهل الهامش؛ فالمطالبة بالفيدرالية، وحق المشاركة السياسية، وإدارة الموارد، ووقف نهب الكارتيل القبلي المسمى زُوراً بالجيش السوداني لثروات السودان، هي مطالب وحقوق “مشروعة” تكفلها القوانين، وتدعمها الدساتير، وتقرها كافة الشرائع السماوية و الأرضية.
لكن القراءة التحليلية تقتضي عدم الاكتفاء بكشف الطبيعة العنصرية و القبلية و الاقصائية لدولة 56 فقط، بل تسليط الضوء على منهج الإدارة الخبيث القائم على شراء الذمم وعلى “اتفاقيات و صفقات الظلام” التي تعيد إنتاج هذا القهر و هذا الظلم باسم الهامش جيل بعد جيل.
منذ العهود التي وقع فيها الملك جربو، والناظر علي التوم، وأحمد قدح الدم صفقاتهم، تأسس نمط متكرر للخيانة يُهندس بعناية داخل غرف المخابرات و يقدم الى انه عمل وطني أو قومي.
ان الاصطفاف الانتحاري الحالي لنخب مثل (مني أركو مناوي، جبريل إبراهيم، وعبد العزيز عُشر) مع كرتي، ليس وليد صدفة أو قراءة سياسية وطنية، بل هو “زواج متعة انتهازي” صاغه مهندس الخراب “صلاح قوش” وعرابو الحركة الإسلامية الإرهابية بغرض استنزاف دماء الهامش لصالح أحلام تأسيس دولة النهر و البحر.
بدأت فصول هذه المؤامرة من زنزانة عبد العزيز عُشر إبان عملية “الذراع الطويل”. إن “عُشر” الذي دخل سجون قوش ممرغاً بغبار المعارك ومقهوراً، ليس هو ذات الشخص الذي خرج منها. لقد طُبقت عليه أبشع آليات القهر و”الهندسة النفسية” وإعادة البرمجة؛ فدخل متمرداً يطالب بالتغيير، وخرج يحمل “دكتوراه” من جامعات النظام، مزوداً ببرمجيات الطاعة. لقد أدركت المخابرات باكراً أن كسر الأجساد لا يكفي، والبديل هو احتلال العقول وصناعة وكيل محلي (فلنقاي) يعمل كحصان طروادة لاختراق الهامش.
ومع اندلاع المعارك، أدركت “المنظومة” أن جيشها المؤدلج يفتقر للعقيدة القتالية التي تثبته على الأرض، فكانت الحاجة ماسة لـ “مرتزقة محليين” يحملون عبء الموت. هنا، تقاطعت مصالح الكارتيل المنهار مع انتهازية بعض النخب الزغاوية، التي باعت دماء شبابها وملايين النازحين، وعملت على تصفه مشروع “السودان الجديد”، مقابل امتيازات شكلية لا تتجاوز حق “السمع والطاعة”.
لقد ارتضوا أن يكونوا “مصدات بشرية”، بينما يجلس جنرالات دولة شايقستان في غرف بورتسودان لتقسيم كعكة الجيش و ثروته السيادية المنهوبة على أبناء عمومتهم.
“دولة 56” و (فخ الاستيعاب الوظيفي)
من السذاجة السياسية الاعتقاد بأن النخبة النيلية قد تخلت عن استعلائها وقبلت بالشراكة الندية مع المكونات السودانية و الأفريقية منها على وجه الخصوص. التشكيل العسكري الأخير جاء ليجيب بصفعة قاطعة: لا، لم ولن تتنازل.
فرغم ان عدد القتلى من أبناء النوبة (مثلا) و القبائل الأفريقية الأخرى في معركة “الكرامة المزعومة” يتجاوز عدد أفراد قبيلة الشوايقة (الاحياء منهم و الأموات)،
لكن تم اقصائهم تماما.
بينما يقف مناوي و جبريل.
تفسير ما يحدث يكمن في نظرية “الاستيعاب الوظيفي المؤقت” (Functional Assimilation). المركز لم يغير عقيدته التي تزدري الهامش، بل أعاد تدوير تكتيك استعماري عتيق: “استخدام الأطراف لضرب الأطراف”. يُمنح جبريل ومناوي أموالاً ومناصب وزارية ليُخيل إليهما أنهما صارا جزءاً من “نادي السادة”. لكن ساعة الحقيقة تكشف المستور: المركز قد يكلفك بوزارة لجمع الضرائب، أو حاكم إقليم محطم بلا ميزانية، لكنه في المفاصل الاستراتيجية لن يسلمك مفاتيح القوة الحقيقية (الجيش والأمن). في الحسابات النهائية للمركز، هؤلاء ليسوا شركاء سياسيين، بل “مقاولي باطن” تُطوى ملفاتهم بانتهاء المهمة.
لعنة “الملك جربو”.. المصير المنطقي لمقاولي الباطن!
التاريخ يكرر قوانينه بأسماء مختلفة. قديماً، تعاون “الملك جربو” مع استخبارات الإنجليز و الجلابة، وسرب خطة معركة “برنجية”، مما أدى لهزيمة جيش السلطان وسقوط سلطنة دارفور.
لكن وفقاً للمنطق السياسي البارد، هل كافأ الإنجليز الملك جربو؟ تؤكد الوثائق أنه لم ينل حتى الفتات مقارنة بمن هم دونه من حيث العمالة؛ فبينما استُدعي ناظر الكبابيش لمقابلة الملك جورج في لندن عام 1919، هُمش جربو وطواه النسيان. إن القاعدة الذهبية للاستخبارات التي تعلمها نخب المركز من الاستعمار هي: الخائن أداة تُستخدم ولا تُحترم.
واليوم، يُطرح هذا التساؤل الحارق أمام مناوي وجبريل وعُشر: إذا كان الملك جربو قد حصد الخذلان من مستعمر أجنبي الذي “مكن” للمستعمر المحلي، فما الذي يدفعكم للاعتقاد بأنكم ستنالون التقدير من استخبارات الحركة الإسلامية الإرهابية؟
إن النهايات تُقرأ من مقدماتها. عندما تضع الحرب أوزارها، فإن أول من ستتخلص منهم المنظومة (ان نجت) هم هؤلاء المقاولون. سيُطردون من دوائر القرار بعد استنفاد غرضهم، ليعودوا محملين بعبء الخيانة، بعد أن أحرقوا جسورهم مع مشروع “السودان الجديد” وخسروا سندهم الجماهيري.
التأسيس الحقيقي للدول لا يُهندس على أكتاف البنادق المأجورة، والتحرر الإنساني والسياسي لا يُنتزع بحراسة زنازين الجلاد.





