في الوقت الذي تحترق فيه أطراف السودان بنيران حرب عبثية أشعلتها جنرالات الإخوان المسلمين ومليشياتهم لم يجد أبناء دارفور وكردفان مفرا من الموت إلا بالتوجه نحو شمال البلاد ظنا منهم أن الوطن يتسع للجميع. لكن الصدمة كانت أقسى من رصاص الحرب إذ واجهوا جدارا صلدا من العنصرية البغيضة وانحطاطا أخلاقيا لم يشهده تاريخنا المعاصر لدرجة تحول فيها المواطن إلى مستهدف بناءعلى لون سحنته وجذوره
ما حدث في دلقو ومناطق أخرى في الشمال من تظاهرات تنادي بترحيل أبناء الغرب ووصفهم بـالجراثيم السامة أو الحشرات التي تهدد نسيج الشمال ليس مجرد فعل عابر بل هو إعلان صريح عن موت قيمة المواطنة كيف يجرؤ إنسان على وصف أخيه في الوطن بهذه الأوصاف؟ كيف يطالب بترحيل من فر من الموت إلى وطنه وكأن الشمال ملكية خاصة وليس جزءا من تراب سوداني يملكه الجميع
إن الانحدار إلى قاع الشتائم العرقية ووصف الأمهات الكريمات بـالخادمات والآباء بـالعبيد ليس دليلا على قوة القائل بل هو دليل على إفلاس أخلاقي ومرض نفسي متأصل في عقول أدمنت الاستعلاء الوهمي إن من يوجه هذه السهام المسمومة لكرامة الإنسان السوداني في الغرب، ينسى أن هذه المجموعات هي من رفدت السودان بالعلم والثقافة والثروة وأن كرامتهم من كرامة الأرض.
من السخرية والوجع أن يجد السوداني النازح في دول الجوار استقبالا يليق بإنسانيته حيث تفتح له الحدود والبيوت بينما يهان ويذل داخل حدود بلده في تشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان يعامل النازح كإنسان وفي مدن شمال السودان يعامل كـخطر أمني أو دخيل يجب التخلص منه أي مفارقة هذه وأي وطن هذا الذي يطرد أبناءه ويحتفي بجلاديهم.
إن هذه النعرات القبلية ليست عفوية بل هي بذور سامة زرعها نظام الإخوان طوال ثلاثين عاما لحماية عرشه عبر فرق تسد وإذا استمر هذا الاضطهاد فلا يلومن أحد أبناء الغرب إذا كفروا بوحدة لا تحفظ كرامتهم وبوطن يراهم عبيدا أو جراثيم.
إن السودان اليوم يقف على حافة الهاوية ليس بسبب الرصاص فقط بل بسبب العنصرية التي هي أشد فتكا من المدافع فإما وطن للجميع بكرامة متساوية أو شتات لا يبقي ولا يذر.




