حسن عبد الرضي
في لحظةٍ يتعاظم فيها السؤال العربي القَلِق: أين جامعة الدول العربية؟
لا يبدو هذا السؤال طارئاً، بل هو رجعُ صدىً لصوتٍ بعيدٍ سبق عصره، أطلقه المفكر السوداني الأستاذ محمود محمد طه منذ عقود، حين قرأ واقع المنطقة بعينٍ نافذة، وبصيرةٍ تستشرف ما وراء اللحظة، فدعا بوضوحٍ لا لبس فيه إلى تجاوز الأطر الإقليمية التقليدية، وعلى رأسها جامعة الدول العربية، بوصفها قيداً على نهضة الإنسان العربي، لا رافعةً لها.
لقد جاءت مقالة الأستاذ عبدالمنعم سليمان بعنوان “جامعة الدول العربية: آن أوان الرحيل” تعبيراً صادقاً عن خيبةٍ تراكمت طبقاتها عبر الزمن.
غير أن ما طرحه الأستاذ محمود يتجاوز حدود النقد إلى مساءلة الجذور؛ إذ لا يكتفي بوصف الجامعة بالفشل، بل يضعها في سياق أزمةٍ أعمق تضرب بنية الفكر السياسي العربي، ذلك الفكر الذي ظل أسير قوالب قومية جامدة، عاجزاً عن بلوغ أفق الإنسانية الرحب.
الجامعة العربية: من وعد الوحدة إلى واقع التواطؤ
حين وُلدت الجامعة عام ١٩٤٥، حملت شعارات الاستقلال والوحدة، لكنها – كما قد بيّن الاستاذ محمود في كتابه “مشكلة الشرق الأوسط” – لم تُشَيَّد على أساسٍ فكري أو أخلاقي متين، بل قامت على توازنات أنظمة، لا على إرادة شعوب.
ومن هنا، لم يكن غريباً أن تنحرف وظيفتها مع الزمن، فتغدو مظلةً تحتمي بها الأنظمة من شعوبها، بدلاً من أن تكون حصناً للشعوب في وجه الاستبداد.
لقد أدرك الأستاذ محمود مبكراً أن هذه المؤسسة لا يمكن أن تكون أداة تحرر، لأنها لم تُولد من رحم الوعي الشعبي، ولم تستند إلى رؤية متجددة، بل ظلت رهينة مفاهيم تقليدية، وحسابات سلطوية ضيقة.
وهكذا، كان طبيعياً أن تبارك الانقلابات، وأن تصمت عن القمع، وأن تختفي حين تُختبر المواقف.
البديل: أفق إنساني يتجاوز القومية
لم يقم للعرب ذكرٌ بين الأمم إلا بالإسلام، غير أن الإسلام – في جوهره – رسالة إنسانية كونية، تتجاوز حدود العرق واللغة والجغرافيا.
ومن هذا المنظور، فإن الانكفاء داخل إطار “الجامعة العربية” ليس إلا ارتداداً عن هذا الأفق الواسع، واختزالاً لرسالةٍ عالمية في هويةٍ قومية ضيقة.
ويرى الأستاذ محمود طه أن المخرج لا يكون بترميم بناءٍ متداعٍ، بل بإعادة تأسيس الفكر ذاته، على دعائم الحرية الفردية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية.
وهي قيمٌ لا تنمو في بيئةٍ تحكمها أنظمة استبدادية متحالفة، بل تحتاج إلى فضاءٍ جديد، تُعبّر فيه الشعوب عن إرادتها بلا وصاية.
السودان نموذجاً: حين تنقلب المؤسسة على غايتها
إن ما أشار إليه كاتب المقال من دور الجامعة في دعم الانقلابات في السودان، ليس عرضاً عابراً، بل نتيجةٌ منطقية لطبيعة هذه المؤسسة، التي تميل إلى تكريس “الاستقرار” الشكلي، ولو كان ذلك على حساب الحرية.
ولهذا، فهي كثيراً ما تقف في وجه التحولات الديمقراطية، لأنها تهدد البنية التي تستند إليها.
لقد كان الأستاذ محمود صريحاً في نقده لهذا النمط من “التضامن العربي”، الذي يحرس عروش الحكام ولا ينصر الشعوب، معتبراً إياه تضامناً زائفاً، يفتقر إلى أي سندٍ أخلاقي حقيقي.
لماذا الانسحاب؟ خيار الوعي لا ردة الفعل
إن الدعوة إلى الانسحاب من جامعة الدول العربية ليست نزوةً عاطفية، بل هي خيارٌ استراتيجي واعٍ، يقوم على تحرير الإرادة الوطنية من قيود تنسيقٍ شكلي مع أنظمة لا تتقاطع في القيم، وعلى الانفتاح على العالم ضمن أفقٍ إنساني أرحب، يتجاوز القومية الضيقة، وعلى إعادة بناء التحالفات وفق المصالح الحقيقية لا الشعارات الجوفاء، وعلى تمهيد الطريق لنهضةٍ فكرية تُعيد تعريف السياسة بوصفها خدمةً للإنسان، لا مجرد إدارةٍ للسلطة.
نحو أفق جديد: من الجامعة إلى المجتمع الإنساني
إن فكرة الانسحاب لا تقف عند حدّ الهدم، بل تنفتح على مشروعٍ بديل، قوامه الانتقال من “الجامعة العربية” إلى “المجتمع الإنساني”، حيث تقوم العلاقات بين الدول على التعاون الحر، لا على التكتلات الجامدة.
فالعالم اليوم يعيد تشكيل نفسه عبر شبكاتٍ من الشراكات المرنة، القائمة على المصالح المشتركة والقيم الكونية.
وفي هذا السياق، يصبح التمسك بمؤسسةٍ فقدت روحها وفاعليتها نوعاً من الإصرار على العيش خارج الزمن.
وفي خاتمة القول، نقف، على يقين: لقد آن الأوان – كما قال كاتب المقال – لطيّ صفحة هذا الكيان المتداعي.
غير أن الأهم من ذلك، هو أن نُدرك أن الأزمة ليست في “الجامعة” وحدها، بل في العقل الذي أنشأها، والفكر الذي لا يزال يتشبث بها.
وهنا تتجلى فرادة طرح الأستاذ محمود، الذي لم يقف عند حدود النقد، بل دعا إلى ثورةٍ فكرية شاملة، تُحرّر الإنسان العربي من قيوده، وتفتح أمامه آفاق المستقبل.
فالانسحاب من جامعة الدول العربية، في نهاية المطاف، ليس مجرد خطوةٍ سياسية… بل هو فعل تحررٍ عميق، وبداية السير من وهمٍ قديم، نحو حقيقةٍ طال انتظارها.





