مليح يعقوب حماد
باحث في إدارة التنوع والسياسات الثقافية
مقدمة:
في غمرة التحولات الكبرى والحروب الوجودية التي تعصف ببلادنا، تسقط الأقنعة السياسية لتكشف عن “ذهنيات إقصائية” كامنة خلف شعارات النضال. إن التصريحات الأخيرة للسيد مني أركو مناوي، والتي طعن فيها في “سودانوية” مكونات الجنيديين والعطاوة بوصفهم “وافدين”، تمثل امتداداً عضوياً لخطابٍ مأزوم يسعى لشرعنة “تزوير تاريخي” مكتمل الأركان؛ يهدف لإعادة تعريف الهوية وفقاً للولاء السياسي المتقلب، لا الجذور التاريخية الراسخة.
أولاً: صناعة “العدو المتخيّل” وإعادة إنتاج المركز
منذ اندلاع الحرب، برز خطاب ممنهج يسعى لتأطير الصراع بوصفه مواجهة بين “الدولة” وبين “العطاوة والجنيديين”، في محاولة مكشوفة لتحريض المجتمع ضدهم وتجريدهم من حق الانتماء. إن الهدف الجوهري لهذا الخطاب هو التعمية على جوهر الأزمة باعتبارها الصدام الأعنف بين “عقلية المركز وإرادة الهامش”. ومن المؤسف أن نرى السيد مناوي وقد تمت “إعادة إنتاجه” بالكامل داخل منظومة دولة الامتيازات، ليتحول إلى بوق لخطاب إقصائي، مستخدماً قضايا التهميش كغطاء لحماية مصالح النخبة التي طالما ادعى الثورة ضدها.
ثانياً: سودانية الأرض لا صكوك الخنادق
إن سودانية العطاوة والجنيديين، وكافة المجموعات الرعوية في كردفان ودارفور، لا يمنحها قائد عسكري، ولا ينزعها سياسي مأزوم بناءً على تحالفات اللحظة أو تمترسات القتال. هذه المجموعات هي عروق الأرض الضاربة في عمق الوجدان السوداني، وحماة ثغورها التاريخيين. إن تصريحات مناوي بحق هذه المكونات تمثل سقطة أخلاقية وسياسية، وجريمة “تزييف وعي” تهدف لشرعنة الانتهاكات وتبرير التهجير القسري الذي يطال المجتمعات الرعوية تحت لافتة “محاربة الوافدين” المضللة.
ثالثاً: رسالة إلى المقاتلين في خنادق التناقض
نتوجه برسالة مباشرة إلى أبناء العطاوة والجنيديين المرابطين اليوم في صفوف القوات المسلحة أو حركات الكفاح المسلح: إن هذا الخطاب الإقصائي الذي يصدر عن حلفائكم اليوم يطعن في صميم وجودكم، ويحول حاضناتكم الاجتماعية إلى أهداف مشروعة للتحريض. كيف تستقيم الجندية تحت إمرة قادة يصفون أمهاتكم وآباءكم بـ “الشتات”؟ إن البقاء في هذه الخنادق دون موقف مبدئي صلب، هو قبول ضمني بنفي وجودكم التاريخي، وتوقيع طوعي على شهادة “اغتراب” داخل الوطن.
رابعاً: الفتنة وتقويض السلم الاجتماعي
إن الغاية النهائية من خطاب “التغريب” هي زراعة الفتنة وإثارة النعرات القبلية لتمزيق ما تبقى من نسيج اجتماعي متهالك. هذا الخطاب لا يخدم إلا أجندات الاستبداد التي ترفض الاعتراف بالسودان كدولة “مواطنة متساوية”. نحن في مشروع “السودانوية” نؤكد أن الرد على هذه الترهات يكون بالتمسك بالأرض، وتعزيز الوعي بالهوية الوطنية الشاملة، والمطالبة بمحاسبة أخلاقية وقانونية وفقاً لمبادئ المواطنة التي لا تتجزأ.
خاتمة:
إن الوطن الذي يضيق بفروسية البادية وثقافتها الرعوية، ويحاول قادته استبدال “الحقائق التاريخية” بـ “البروباغندا السياسية”، هو وطن يحتاج إلى عملية بناء جذري من القاع إلى القمة. السودان يسع الجميع، ولن تنجح محاولات “الاجتثاث” في تزييف واقع مجتمعات غُرست جذورها في هذه الأرض قبل أن تُرسم الحدود الجغرافية أو تُبتدع الخرائط السياسية المصطنعة.





