ابراهيم مطر
من عجب، أن ينبني الموقف السعودي الحالي من حرب السودان، على فرضية كونها حرب (جيش نظامي) لدولة ضد (مليشيا) متمردة على الشرعية، متجاهلة كم التناقض الصارخ بين ما هو عليه الحال، وما تحاول المملكة أن تصوغه من تناقضات.
فالسعودية التي تنظر لقوات الدعم السريع المتواجدة على أراضيها حالياً على أنها قوات نظامية دخلت البلاد عبر اتفاق سياسي عسكري، تنظر للدعم السريع نفسه على أنه مليشيا! يجب عليها الخضوع للجيش النظامي ضمن تفاهمات ما، أو عبر اتفاق ما، وأن تكتفي بالقليل. لكن يحمد للمملكة، أنها لم تُسرف في إطلاق (النعوت)، كما يفعل حلفاؤها في بورتسودان والقاهرة.
ويبدو أن توتر العلاقات بين الإمارات والسعودية على خلفية الصراع في (اليمن)، قد أدخل المملكة في حالة (إنكار) لواقع سيطرة الإخوان المسلمين في السودان – الحركة الإسلامية – على قرار الجيش السوداني، ربما لأن هذه الحالة من الإنكار، هي المدخل الوحيد لشرعنة التعامل مع جيش لم يعترف بشرعيته حتى الاتحاد الأفريقي، الذي تم تجميد عضوية السودان فيه على خلفية انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر للعام 2021، ويتم التعامل معه – منذ ذلك الحين – كحكومة أمر واقع، قامت بوضع اليد.
وليس سراً أن المملكة تتعرض لضغوطات أيضاً في تعاطيها مع الملف السوداني، أبرزها الموقف المصري الداعم لإخوان السودان، حد مشاركة الطيران المصري في قصف المقرات العسكرية والمدنية داخل السودان انطلاقاً من قاعدة العوينات الجوية.
ولأن مصر والسعودية تنظران للسودان كغنيمة – كما ظهر جلياً في اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية بين الدول الثلاث – فالدولتين أقرب إلى الاتفاق على ما يضمن مصالحهما على حساب السودان والسودانيين، خاصة في ضوء معرفة الجميع بألا علاقة للحركة الإسلامية السودانية بالدين كاعتقاد، وأن (قصة دينو ودقنو بضاعة)، وعليه فلا خشية من (زمرة لصوص)، مبلغ حلمهم أن ينالوا حظاً – ضئيلاً – من المسروقات، وهكذا وللأسف باتت السعودية تتبنى النهج (المصري)، في التعامل مع (غنائم) حرب السودان.
المملكة اليوم تتحرك في اتجاه عُزلة الدعم السريع دبلوماسياً، ترى الحل في إضعافه للحد الذي يجعله يقبل بسلام شبيه بالاستسلام، ربما بعد أن يقتنع بضعفه بعد عدد كافٍ من الهزائم العسكرية، ما يضع السعودية على ذات الجانب مع سلطة بورتسودان والحكومة المصرية، ويضعف من فاعليتها كوسيط لإحلال السلام.
والسعودية اليوم تشدد إجراءات دخول السودانيين لأراضيها، مع التضييق على المقيمين فيها عبر حزمة إجراءات منها إلغاء الاستثناءات، وزيادة رسوم الإقامة، في خطوة تصب في اتجاه الإعادة القسرية للاجئين السودانيين ضمن اتفاق مع سلطة بورتسودان، هو شبيه باتفاق مماثل أبرمه البرهان مع الحكومة المصرية، وتم على إثره ترحيل الأطفال والنساء والعجزة والمرضى من اللاجئين والمقيمين على حد سواء، فالحرب انتهت في السودان من وجهة نظر أصحاب السمو والمعالي بحسب الرواية الإخوانية، والتي تنظر للسودان على مقاس مناطق سيطرة التنظيم.
يتعجل الإخوان نهاية حرب تيقنوا من عجزهم عن الانتصار فيها، فيكتفوا بمناطق سيطرتهم الحالية، وممارسة سلطتهم على الناس قتلاً وتعذيباً واعتقالاً وقانون وجوه غريبة، بينما تعلن المملكة في ذات الوقت عن افتتاح منشآت صحية جديدة في الخرطوم، سعياً لجذب المزيد من السودانيين إلى المصيدة.
وعلى الجانب الآخر يقف سودانيون يتطلعون للخلاص من تركة تاريخ مظلم، وأخطاء فادحة لازمت الدولة منذ تأسيسها، غاب فيها العقد الاجتماعي المتعارف عليه، وحقوق المواطنة التي تتواضع عليها المجتمعات. لكنهم يجدون أن دم البلاد قد تفرق بين القبائل، وأن مواردها صارت نهباً لمطامع الأغيار.
(لا حل عسكري لصراع السودان)، عنوان سارت به الركبان دون أن يتم العثور على البديل الناجع، لم تعلن خارطة طريق متوافق عليها، ولا مدى زمني معروف، وتزايدت أعداد الضالعين في الملف. توسعت الرباعية فصارت خماسية وثمانية حيناً، وهي مُرشحة للتزايد، دون أن يُرى طحيناً.
التحديات المحيطة بالسودانيين اليوم كبيرة إن هم أرادوا استعادة وطنهم من جديد، لكن يظل العدو الأزلي وحجر العثرة الذي يقف أمام تطلعاتهم هو التنظيم الإخواني بشقيه المحلي والدولي، والذي وضع السودان في مزادات المصالح الإقليمية والدولية بإشعال حرب الخامس عشر من أبريل، فباعوه بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين. ألا لعنة الله على إخوان الشياطين.





