منعم سليمان
حين تتحول الوثائق الثبوتية من حقوق دستورية إلى “هبات” تمنحها السلطة لمن تشاء وتمنعها عمن تشاء، فنحن لا نتحدث عن دولة، بل عن إقطاعية أمنية تُدار بعقلية المافيا.
قضية القيادي في تحالف (صمود) الأستاذ طه عثمان إسحق ليست مجرد تعنتٍ إداري في قنصلية دبي، بل فضيحة عرّت المسرح العبثي في بورتسودان، وأثبتت أن البرهان ليس سوى واجهة ديكورية لقرار يطبخه الكيزان في الغرف المظلمة.
أن يذهب طه لإكمال إجراءات جوازه بناءً على قرار رفع الحظر، ثم يصطدم بـ”سيستم” معطل تقنياً ومُفعل سياسياً، يكشف حجم الهوان الذي تعيشه مؤسسة الرئاسة المزعومة.
كيف لقرار صادر ممن يطلق على نفسه رئيس مجلس السيادة أن يتبخر أمام شاشة موظف جوازات أو توجيه شفاهي من قنصل؟
الحقيقة أن البرهان أصدر القرار لـ”تجميل وجهه” أمام المجتمع الدولي، بينما تولى الكيزان مهمة “بل القرار وشرب مويته” في القنصليات، تأكيداً على أنهم هم من يملكون حق الفيتو!
هذه الازدواجية في قنصليات سلطة النظام العسكر-كيزاني في بورتسودان، حيث تُفتح الأبواب لـ”المرضي عنهم” من الضالين وتُغلق أمام “المغضوب عليهم”، هي إرهاب إداري، وتحويل حق التنقل إلى أداة ابتزاز سياسي!
ما عاناه طه يعاني منه كثير من قيادات القوى المدنية، لكنه من دارفور؛ لذلك تتجاوز مأساته شخصه لتلامس العصب الحساس لعنصرية السلطة الممنهجة.
فما جرى تطبيق عملي لـ”قانون الوجوه الغربية” غير المعلن؛ ذلك النهج الأبارتهايدي الذي تتبعه سلطة بورتسودان تجاه أبناء دارفور وكردفان. فهم لا يصادرون جوازاً فقط، بل يصادرون الهوية ويسحبون الاعتراف ويأخذون الناس بالسحنة والاسم!
المأساة أن السلطة التي تخشى “دفتر جوازات” في يد معارض مدني، هي سلطة تدرك فقدانها للشرعية.
وتحويل المواطنة إلى عقوبة هو المسمار الأخير في نعش وحدة السودان التي يتباكون عليها؛ فالدولة التي تميز بين أبنائها على أساس السحنة أو الموقف السياسي لا تستحق أن تُسمى دولة.
طه عثمان سيحصل على جوازه عاجلاً أم آجلاً، وهذا مما لا شك فيه. لكن سلطة بورتسودان لن تحصل أبداً على شرعية من أحد، ولن تحصل على اعتراف من شعبٍ حوّلت أحلامه بوطن حر وديمقراطي إلى كابوس من الورق المحروق والكرامة المهدورة.





