بقلم: علي رزق الله
تُقدّم المملكة العربية السعودية نفسها للمجتمع الدولي بوصفها وسيطاً يسعى إلى إنهاء الأزمة السودانية عبر الحوار والحلول السياسية، غير أن هذا الدور المعلن يتناقض بوضوح مع سجلها العملي منذ اندلاع الحرب، ويكشف أن ما يُسوَّق كوساطة ليس سوى غطاء دبلوماسي لانحياز سياسي معروف.
فالوسيط، وفق الأعراف الدولية، يفترض أن يلتزم بالحياد، وأن يمارس ضغطاً متوازناً على جميع أطراف النزاع، وأن يجعل حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني أولوية لا تقبل الانتقاء. إلا أن سلوك السعودية في الملف السوداني ابتعد بشكل واضح عن هذه المعايير، ما أفقد خطابها المعلن كثيراً من المصداقية.
لقد كانت المملكة تعلم تماماً طبيعة جيش الحركة الإرهابية، وتعلم بسجلّه في ارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، شملت القتل على أساس عرقي، واستهداف المجتمعات المحلية والمؤسسات المدنية، واستخدام الأسلحة المحرمة بما في ذلك الأسلحة الكيميائية. كما تعلم السعودية بالصمت التام عن هذه الجرائم، ولم تُصدر أي إدانة، مكتفية بالحياد الانتقائي بينما كان المدنيون يدفعون الثمن.
كما تعلم السلطات السعودية استهداف الإدارة الأهلية والقيادات المجتمعية والقرى والفرقان، وضرب المستشفيات والمرافق الصحية بذريعة أنها “حواضن” للدعم الsريع وقوات تأسيس، في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني، ومع ذلك اختارت الصمت الطويل.
المفارقة الصارخة أن السعودية، بعد هذا التاريخ من التغاضي، خرجت لتُصدر إدانة مستهدفة لقوات تأسيس والدعم الsريع بتهمة استهداف قوافل إنسانية ومراكز صحية بكردفان ، من دون تقديم أي دليل أو تحقيق مستقل وشفاف، بينما تتجاهل الجرائم الكبرى التي ارتكبها جيش الحركة الإرهابية.
هذا التحوّل الانتقائي لا يعكس التزاماً أخلاقياً، بل تغيّراً في الحسابات السياسية مع تبدّل موازين القوة على الأرض.
إن أخطر ما في هذا الدور ليس فقط الانحياز، بل تزييف مفهوم الوساطة ذاته.
فحين يدّعي طرف لعب دور الحكم، بينما يتجاهل أو يبرّر جرائم طرف بعينه، فإن ما ينتجه ليس سلاماً، بل إدارة مؤقتة للصراع تحمي نفوذاً قائماً وتؤجّل انفجاراً قادماً.
السلام الحقيقي لا يُبنى على العدالة الانتقائية، ولا على إنكار الجرائم الكبرى، ولا على تبرير استهداف المدنيين والمؤسسات الحيوية.
السودان لا يحتاج إلى وسطاء بوجهين، بل إلى موقف دولي واضح يقوم على المساءلة المتساوية، واحترام القانون الدولي، والانحياز الصريح لحماية المدنيين، لا لحماية التحالفات.
أما من سكت دهراً عن القتل والتدمير والانتهاكات، ثم نطق حين تغيّرت المعادلة، فلا يملك الأساس الأخلاقي لقيادة مسار سلام حقيقي، مهما ارتدى من عناوين دبلوماسية. فالتاريخ لا ينسى، والوساطة المزيّفة لا تصنع سلاماً.





