منذ ايام، و السلطات المصرية تشن حملات واسعة لترحيل السودانيين الذين لجؤوا الى مصر هربا من نار الحرب في بلادهم.
وهي حملات لا يمكن وصفها بمجرد اجراءات تنظيمية او قانونية او امنية، لا من حيث توقيتها، ولا من حيث اسلوب تنفيذها، ولا من حيث الرسائل التي تنطوي عليها.
لقد قصد السودانيون مصر وهم يظنون، بحكم الجغرافيا والتاريخ، انها ستكون ملاذا اكثر امنا من غيرها، لكن الكثيرين منهم اكتشفوا متاخرين انهم استجاروا بالنار من الرمضاء.
فما يجري في مصر لا يشبه ، ما قامت به دول الجوار الاخرى.
فدول مثل تشاد وافريقيا الوسطى واثيوبيا وجنوب السودان، وحتى اوغندا وكينيا، فرغم هشاشتها الاقتصادية، استقبلت اللاجئين السودانيين وفرضت عليهم لاحقا اجراءات تنظيمية وامنية بكل هدوء واحترام، ولم تحول اللاجئ السوداني الى هدف امني، ولم تمارس بحقه الاذلال الممنهج، ولم تمنح الحكومة السودانية فرصة لمساومتها او التحريض عليه، رغم انها تواجه الاشكاليات نفسها التي تشكو منها مصر ليل نهار.
لقد نفذت مصر حملات ترحيل للسودانيين عنيفة ومذلة: مطاردات ،توقيفات عشوائية من الشوارع واماكن العمل والمساكن، من دون تمييز بين رجل وامراة، او مريض وطالب، او ام تبحث عن قوت اطفالها.
لم تفرق بين مقيم ولاجئ، واقتيد الموقوفون في مجموعات، واحتجزوا في اماكن غير انسانية، بلا مراعاة لكرامتهم، ولم تتح لهم فرصة تقديم اوراقهم، او ابلاغ ذويهم، او حتى الاطمئنان على اطفال تركوا خلفهم بلا معيل.
وهي ليست الاولى لكنها الاعنف، ولن تكون الاخيرة.
وفي خضم هذه الاحداث، برز من يبرر لما يجري في مصر.
من بين ذلك تصريحات مديرة الشؤون الافريقية في مركز الاهرام الاستاذة اماني الطويل، التي قالت ان الاجراءات تمت بطلب من الحكومة السودانية، واعتبرت ان هناك طرفا ثالثا يقوم بتضخيم الاداء الامني المصري بهدف تشويه صورة مصر التي تشكلت في الوعي السوداني خلال فترة الحرب.
وقد ذهب اخرون ابعد من ذلك، مبررين ما يحدث بالقول ان السلطات المصرية انما تقوم بتنظيف البلاد من اوكار الجريمة والانشطة غير القانونية التي يمارسها بعض السودانيين، في محاولة لتبرئة الدولة المصرية وتحميل المسؤولية كاملة لحكومة الامر الواقع السودانية غير المسؤولة اصلا والتي لها سجل حافل بالانتهاكات ضد الشعب السوداني .
وفي الحقيقة، فان هذه الحملات، بغض النظر عن اي مبررات قانونية تساق لها، لا تشبه ممارسات دولة تحترم الانسان او سيادة القانون، الذي هدفه حماية الكرامة الانسانية.
كما ان هذا التبرير يطرح اشكالية جوهرية:
فحتى لو افترضنا جدلا وجود طلب من الحكومة السودانية، او وجود دوافع امنية منطقية لترحيل السودانيين، فان السيادة القانونية لا تعني التفويض في الاذلال، ولا تمنح اي دولة الحق في انتهاك ابسط حقوق الانسان، حتى ولو كان المرحل متهما بارتكاب جريمة فعلا، وايا كان نوعها.
كما ان الدول التي تحترم نفسها لا تتاثر صورتها بادعاءات اطراف ثالثة، بل بافعالها الموثقة على الارض.
وهذا ما نراه في دول الجوار الاخرى التي لا تجرؤ حكومة الامر الواقع في السودان ان تطلب منها ترحيل السودانيين بالقوة، لذلك تقوم باغرائهم بالعودة .
وفي الحقيقة ان التعامل المصري مع السودانيين لا يمكن فصله عن السياسة المصرية تجاه السودان عموما، ومن هنا يمكن فهم الفارق الواضح بين معاملة اللاجئين السودانيين ومعاملة بقية اللاجئين،وفهم قبول مصر طلب حكومة الامر الواقع بترحيل السودانيين بالقوة ،والاهم من كل ذلك فهم دعم مصر للحكومة السودانية وهي تعلم انها اخوانية ارهابية فاسدة .
نحن لا ننكر ان وجود اعداد كبيرة من السودانيين في مصر شكل عبئا اقتصاديا وامنيا عليها، كما هو الحال في اي دولة تستضيف لاجئين.
ومن حق مصر، كغيرها من الدول، ان تنظم هذا الوجود او حتى ان تنهيه تماما.
لكن الفارق الجوهري يكمن في الطريقة.
فببساطة يمكن ترحيلهم باجراءات قانونية واضحة تحفظ كرامتهم، ومنحهم مهلة زمنية مناسبة للمغادرة ، ثم اعلان فرض عقوبات على من لم يغادر .
اما بالنسبة لصورة مصر في الوعي السوداني، فهي لم تتشكل بسبب وجود السودانيين في مصر فترة الحرب، ولن تتحسن او تسوء بسبب حملات ترحيل .
هذه الصورة هي حصيلة تاريخ طويل من السياسات والممارسات، ولن تتغير الا حين تتغير صورة السودان في الوعي الجمعي المصري.
بلا شك، ليس هناك حل لأزمة اللاجئين السودانيين في مصر في ظل وجود حكومة الأمر الواقع المتماهية مع السياسة المصرية، ولكن رسالتنا لهم، وخصوصا الذين لا تربطهم صلة بأهل السلطة والثروة، أو الذين لا يتبعون لحكومة الأمر الواقع وتنظيمها ( اللا اسلامي) ، ابحثوا عن حلول أخرى ولا تراهنوا على البقاء في ارض مصر، ففي ظل السياسة الحالية فإن المستجير بها كالمستجير بالنار من الرمضاء.





