بقلم سارة مالك السعيد
أعاد تصاعد الاضطراب في البحر الأحمر خلال العامين الماضيين طرح سؤال الوصول إلى الممرات البحرية بوصفه قضية أمن دولي لا مجرد شأن إقليمي. وفي قلب هذا السياق، برزت إثيوبيا مجدداً كدولة حبيسة تسعى إلى إعادة تعريف موقعها الجغرافي–الاستراتيجي، ليس فقط لتخفيف كلفة التجارة، بل لتقليص انكشافها السياسي في إقليم يتجه نحو مزيد من السيولة وعدم اليقين. غير أن مسار هذا السعي لا يُحسم بالضرورة عبر الخيارات الأكثر مباشرة جغرافياً، بقدر ما يتشكل وفق ميزان الكلفة السياسية في بيئة إقليمية منهارة.
من هذا المنظور، يبدو السودان مرشحاً ليكون المسار الأرجح لوصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر، لا لأنه الخيار الأمثل أو الأكثر استقراراً، بل لأنه الخيار الأقل مقاومة في لحظة إقليمية تتراجع فيها الدولة المركزية، وتتصاعد فيها ترتيبات النفاذ الوظيفي على حساب السيادة الكاملة. فالمسار السوداني لا يقوم على اتفاقات سيادية كبرى أو مشاريع تكامل معلنة، بل على هندسة ترتيبات لوجستية وأمنية داخل دولة منهكة، تتنازعها سلطات أمر واقع، وتغيب فيها القدرة على إنتاج قرار وطني جامع.
مقارنةً بخيارات أخرى، يظل هذا المسار أقل استفزازاً للمحيط الإقليمي. فالصدام مع إريتريا يحمل مخاطر الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، بما يعنيه ذلك من عسكرة إضافية للبحر الأحمر وتهديد الملاحة الدولية في لحظة حساسة أصلاً. أما المسار الصومالي، سواء عبر صوماليلاند أو غيرها، فيصطدم بحساسيات قانونية وسياسية حادة، ويستدعي ردود فعل إقليمية ودولية أوسع، لا سيما من الاتحاد الإفريقي ودول عربية معنية بوحدة الصومال. في المقابل، يتيح السودان تمرير ترتيبات “صامتة” نسبياً، تُدار خارج الأطر الرسمية الصلبة، وتُقدَّم بوصفها حلولاً تقنية أو مؤقتة.
في جوهر الأمر، لا تحتاج إثيوبيا إلى ميناء وطني يرفع علمها، ولا إلى إعلان سيادي صريح على البحر الأحمر. حاجتها الأساسية تتمثل في ممر بري مؤمّن نسبيًا، ومنفذ بحري وظيفي يسمح بتدفق السلع والطاقة، ويقلّص اعتمادها شبه الكامل على مسار واحد عالي المخاطر. هذا النوع من الاحتياجات يمكن تلبيته عبر ترتيبات جمركية ولوجستية وأمنية مع أطراف محلية في شرق السودان، في ظل غياب دولة مركزية قادرة على فرض شروط سيادية واضحة أو طويلة الأمد.
لا يعني ذلك أن هذا المسار يخلو من كلفة سياسية، خصوصاً في علاقته بمصر. فالقاهرة تنظر إلى أي تمدد إثيوبي نحو البحر الأحمر بوصفه تهديداً مباشراً لأمنها القومي، لا يقل حساسية عن ملف مياه النيل. غير أن الواقع الإقليمي الراهن يحدّ من قدرتها على الانتقال من الرفض السياسي إلى التعطيل العملي، في ظل تشظي الساحة السودانية، وتعدد الفاعلين المحليين، وتزاحم الأولويات الإقليمية والدولية. في مثل هذه البيئات، غالباً ما يُعبَّر عن الاعتراض في الخطاب، بينما تُمرَّر الوقائع على الأرض بصيغ غير معلنة.
الأخطر في هذا السيناريو لا يكمن في حصول إثيوبيا على منفذ وظيفي بحد ذاته، بل في ما يعنيه ذلك للسودان. فالممر، إذا تبلور، لن يكون مشروع شراكة متكافئة يعيد دمج السودان في الاقتصاد الإقليمي على أسس سيادية، بل ترتيباً يُدار فوق أرضه دون معالجة أسباب انهياره. بل قد يسهم، على العكس، في تكريس موقعه بوصفه “أداة عبور” داخل صراعات إقليمية أكبر، ويعمّق تحوّله من دولة فاعلة إلى ساحة تُستخدم لإدارة توازنات الآخرين.
كما يظل هذا المسار هشّاً بطبيعته. فالممر الذي يُبنى على فراغ سياسي وأمني يبقى عرضة للابتزاز والانقطاع مع كل تغير في موازين القوى المحلية أو الإقليمية. وهو ما يجعل هذا الخيار، وإن كان مرجّحاً في المدى القصير إلى المتوسط، حلاً اضطرارياً أكثر منه تسوية استراتيجية مستقرة لإثيوبيا نفسها، التي ستجد نفسها مضطرة باستمرار إلى إدارة مخاطر المسار بدل الاكتفاء بعوائده.
في المحصلة، يبدو أن إثيوبيا تتجه، بوعي أو بدونه، نحو استثمار الانهيار السوداني بوصفه منفذاً عملياً إلى البحر الأحمر في مرحلة انتقالية مضطربة. هذا الخيار لا يلغي مسارات أخرى محتملة في المستقبل، لكنه يتقدم عليها مرحليًا بوصفه الأقل كلفة سياسية في اللحظة الراهنة. وهو يعكس منطقًا أوسع يحكم الإقليم: حيث تُستبدل السيادة بالوظيفة، والاتفاقات المعلنة بترتيبات الأمر الواقع، وتُدار الدول المنهارة كممرات لا كشركاء. والسؤال الذي يظل مفتوحاً هو ما إذا كان هذا المنطق، وإن بدا عملياً اليوم، قابلاً للاستدامة غداً دون أن يُنتج جولات جديدة من عدم الاستقرار المؤجل.





