تقرير سهيبة مريش
عقدت اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في مزاعم انتهاكات الفاشر مؤتمرًا صحفيًا، اليوم، بحضور ممثلي وسائل الإعلام المحلية والدولية، لإحاطة الرأي العام الوطني والدولي بنتائج تحقيقاتها القانونية والميدانية بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني المرتكبة في مدينة الفاشر ومحيطها.
وأكدت اللجنة، في مستهل المؤتمر، أنها أُنشئت بقرار رسمي، وتعمل باستقلالية تامة وحياد كامل، وفق منهجية مهنية تستند إلى جمع الأدلة، وسماع الشهود، وفحص المستندات الرسمية، والوقوف الميداني على مواقع الانتهاكات، وتحليل الوقائع وفقًا لأحكام القانون الوطني والدولي، بهدف حماية المدنيين، وإنصاف الضحايا، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
المحور الأول: المسؤولية الجنائية عن اندلاع حرب الفاشر
كشفت اللجنة عن توصلها، عقب تحقيقات موسعة، إلى تحديد 75 متهمًا من عناصر تُطلق على نفسها مسميات الاستنفار والمقاومة الشعبية، ثبت تورطهم المباشر في إشعال وبدء الأعمال العدائية داخل مدينة الفاشر.
واستندت اللجنة إلى مستندات رسمية، من بينها الخطاب الصادر بالرقم (14) لسنة 2025، القاضي بتشكيل ما يُسمّى باللجنة العليا للاستنفار والمقاومة الشعبية، والذي نص صراحة على مهام تتعلق بالتسليح ومواصلة الحرب.
وأكدت التحقيقات أن الأفعال المرتكبة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية وجرائم حرب، شملت استهداف المدنيين، واستخدام أسلحة محظورة دوليًا، وزرع ألغام داخل الأحياء السكنية، في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها ولنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وبناءً على ذلك، أُصدرت أوامر قبض وإعلانات بالنشر بحق المتهمين الهاربين، استنادًا إلى قانون الإجراءات الجنائية، والقانون الجنائي السوداني، وقوانين مكافحة الإرهاب والجرائم المعلوماتية.
المحور الثاني: عسكرة معسكر زمزم واستخدام النازحين كوسيلة حرب
أوضح المؤتمر الصحفي أن اللجنة توصلت إلى أدلة قاطعة تثبت عسكرة معسكر زمزم للنازحين بصورة ممنهجة، وتحويله من مرفق إنساني محمي إلى قاعدة عسكرية فاعلة.
وشملت الوقائع نشر قوات مسلحة داخل المعسكر، إنشاء تحصينات وخنادق، استخدام آليات قتالية ثقيلة، وتطابق اللجنة الإدارية للنازحين مع لجنة عسكرية، مع تعمد إبقاء المدنيين داخل المعسكر أثناء استخدامه في العمليات الحربية.
واعتبرت اللجنة هذه الأفعال جريمة حرب واستخدامًا للمدنيين كدروع بشرية، وفق القانون الدولي الإنساني، وحددت 15 متهمًا على صلة مباشرة بهذه الوقائع.
المحور الثالث: فساد الأراضي واستغلال النفوذ
تناول المؤتمر ملفًا واسعًا يتعلق بفساد توزيع الأراضي، حيث ثبت حصول عناصر من حركات مسلحة على آلاف القطع السكنية بالمخالفة للقانون، عبر استغلال النفوذ السياسي والعسكري.
وأكدت اللجنة حصول حركة العدل والمساواة – قيادة جبريل إبراهيم على 1500 قطعة سكنية، وحصول حركة تحرير السودان – قيادة أركو مناوي على 2930 قطعة سكنية، خارج الأطر القانونية، وبالمخالفة لقوانين الأراضي والتخطيط العمراني لسنة 1994، معتبرة ذلك اعتداءً مباشرًا على المال والحق العام.
المحور الرابع: فساد مالي مرتبط ببنك السودان المركزي
كشفت اللجنة عن ملف فساد مالي جسيم يتعلق بالحصول على مبالغ مالية ضخمة من بنك السودان المركزي دون سند قانوني مشروع، لصالح أفراد وجهات مرتبطة بحركات مسلحة.
وأوضحت التحقيقات وجود توجيهات صرف وتحويل مالي بمئات الملايين من الجنيهات، إلى جانب مخالفات مالية أخرى تتعلق بمشروعات حكومية، بما يشكل استغلالًا للنفوذ وتقويضًا للنظام المالي والمصرفي، ويخضع للمساءلة بموجب القوانين الوطنية واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
المحور الخامس: قصف سوق طرة بشمال دارفور
اختتم المؤتمر بكشف وقائع خطيرة حول قصف سوق طرة الأسبوعي بواسطة طائرات تابعة للجيش السوداني، ما أسفر عن 480 قتيلًا من المدنيين و402 جريح، إضافة إلى دمار واسع للممتلكات ونفوق أعداد كبيرة من الحيوانات.
وأكدت اللجنة أن القصف يمثل انتهاكًا صارخًا لمبدأي التمييز والتناسب، ويشكّل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، وقد يرقى إلى إبادة جماعية حال ثبوت القصد الجنائي.
في ختام المؤتمر الصحفي، شددت اللجنة على أن ما تم عرضه يشكل وثيقة قانونية وحقوقية بالغة الخطورة توثق نمطًا ممنهجًا من الانتهاكات الجسيمة، مجددة التزامها بالاستقلالية والحياد، وداعية المجتمع الدولي إلى دعم مسار العدالة، وضمان عدم الإفلات من العقاب، مؤكدة أنه لا سلام دون عدالة، ولا عدالة دون مساءلة.
المصدر: التنوير





