فاطمة لقاوة
مرةً أخرى، تُعاد صناعة الوهم على أكتاف الدم، وتُسوَّق الأكاذيب عبر قنوات تبحث عن “سبق إعلامي” لا عن حقيقة تملكها للناس .
خرجت أبواق عصابة بورتسودان تزف خبرًا مفاده أن حصار مدينة الدلنج قد فُك، وأن الجيش دخل المدينة، وكأن الأمر نصرٌ عسكريٌ مكتمل الأركان،لكن ما بين ما قيل على الشاشات، وما جرى على الأرض، مسافة من الكذب لا تُردم.
الحقيقة الثابتة، التي يعرفها أهل الأرض قبل مراسلي الفنادق، أن الطريق الرئيسي الأبيض–الدلنج ما يزال مغلقًا، وتحت سيطرة قوات تحالف تأسيس التي تتقدمها قوات الدعم السريع. بل إن هذه القوات فرضت حظرًا جزئيًا ومحكمًا على محيط الأبيض وكادقلي والدلنج، ما يجعل الحديث عن “فك حصار” مجرد نكتة سمجة في مسرح حربٍ عبثي.
الذي جرى هو أن قوة من الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه سلكت طرقًا ترابية مهجورة، بعيدة عن خطوط الإمداد الحقيقية، وبلا غطاء شعبي أو عسكري، لم يكن تقدمًا، بل تيهًا مسلحًا،وخلال هذا التيه، ارتُكبت جرائم مكتملة الأركان:هجوم على الأهالي العزل،قتل رعاة،نهب الماشية والإبل،ثم واصلت هذه القوة مسيرها نحو هبيلا، المنطقة الزراعية المعروفة، قبل أن تدخل الدلنج دخولًا لا يمكن وصفه إلا بأنه الأفشل عسكريًا في تاريخ هذه الحرب.
لم يكن فتحًا، بل سوقًا منظمًا للموت، حيث سُيِّرت القوة إلى حتفها الأخير في عملية تخلُّص متعمدة، تكررت كما حدث سابقًا مع معاوية ومن معه في بابنوسة.
هنا يجب أن يُطرح السؤال الأخلاقي والسياسي بوضوح:من الذي يدفع بهذه القوات إلى محارق معروفة سلفًا؟الإجابة تقود مباشرة إلى عقلية عصابة بورتسودان التي تدير الحرب بمنطق الإستهلاك البشري، لا بمنطق الانتصار.
أن تحريك قوة من الأبيض نحو الدلنج، بهذا الشكل المرتبك، لا يحقق أي مكسب عسكري حقيقي، بل على العكس تمامًا:إنه تسهيل مباشر لمهمة قوات تحالف تأسيس، التي قد تتمكن، في حال إستمرار هذا العبث، من السيطرة على كادقلي والدلنج والأبيض معًا، وبزمن أقصر مما يتخيله مخططو الهزيمة في بورتسودان.
ما يجري ليس حربًا مدروسة، بل حرب إستنزاف مهلكة، تُدار بتهور وسبهللية، خصوصًا في دارفور وكردفان، حيث يُدفع شباب السودان إلى الموت المجاني، فقط ليُعلن البرهان ومن معه “إنتصارات” للاستهلاك الإعلامي، لا وجود لها إلا في العناوين العريضة.
البرهان لا يدير حربًا، بل يدير مقصلة تقطع أعمار الشباب، وتطيل عمر الأزمة، وتغلق أي أفق لحل سياسي أو عسكري حقيقي.
ما لم يتوقف هذا العبث، فإن كلفة الوهم ستكون سقوط المدن تباعًا، لا بفعل قوة تحالف تأسيس و حده بل بسبب غباء قيادة عصابة بورتسودان.
التاريخ لا يرحم ، والفرقعة الإعلامية — مهما علت — لا تغيّر حقيقة أن ما حدث في الدلنج ليس نصرًا، بل شهادة فشل جديدة تُضاف إلى سجل بورتسودان الأسود.
ولنا عودة بإذن الله
الثلاثاء،٢٧يناير/٢٠٢٦م





