نجم الدين دريسة
من بين كل الأبواب التي دخل منها الفساد إلى جسد الدولة السودانية، يظلّ باب الديون الخارجية أكثرها دهاءً، وأشدّها مراوغة، وأقربها إلى أن يكون بروتوكولاً هندسياً لا مجرد ممارسة عشوائية. ذلك أن النهب هنا لا يحدث في الظلام وحده، بل تحت ضوء القانون الدولي، وفي ظل مصطلحات فنية براقة من قبيل التمويل الميسّر، الدعم الفني، والأكثر خطورة حقوق السحب الخاصة (SDR).
وحين نتأمل العقود التي أُبرمت باسم السودان مثل قرض 460 مليون دولار في العام 2012، وعقد 120 مليون يورو في 2005، وكلاهما لم يدخل بنك السودان ندرك أن ما جرى لم يكن مجرد سوء إدارة، بل منظومة مُحكمة تتطلب تعقّب خطواتها كما يتعقّب المحقق المالي خيوط غسل الأموال. وهنا يبرز دور شبكة قرناص، لا بوصفها جهة منفذة فحسب، بل باعتبارها الجسر الذي عبرت عليه القروض، والستار الذي اختفى وراءه أثر الأموال.
ولكي نفهم لعبة النهب الكبيرة، لابد أولاً من فهم الأداة التي جعلت كل هذا ممكناً: الـSDR.
الـ SDR أو حقوق السحب الخاصة هو أصلٌ احتياطي دولي يصدره صندوق النقد الدولي، لا يُعد عملة، لكنه وحدة حسابية تُقوَّم بها القروض والالتزامات المالية. قيمته مستمدة من سلة عملات، لذلك تتقلب باستمرار، وقد بلغ متوسطه حوالي: وبصورة تقريبية، كان ONE SDR = $1.32 في عام 2024، بينما تدور فوائده حول 4% للقروض العادية، وأقل من ذلك في القروض الميسّرة للدول الفقيرة.
هذا التعريف البسيط يخفي وراءه حقيقة أخطر: الـSDR ليس فقط وحدة حساب، بل أيضاً وحدة تمويه تسمح بتحريك أموال ضخمة خارج البلاد، دون أن تمرّ بالخطوط التقليدية للمحاسبة الوطنية. هنا يبدأ الانحراف. فالقروض المقوّمة بالـSDR لا تدخل السودان مباشرة، بل تُحوَّل إلى حسابات حكومية خارجية عبر خطابات من وزارة المالية أو بنك السودان. وهذه الحسابات لأسباب “سيادية” مزعومة لا يعرف أحد عددها أو أماكنها أو طبيعتها، ما يجعلها مثالية لابتلاع المال العام دون ترك أثر.
وبمجرد أن يصل القرض إلى تلك الحسابات الخارجية تبدأ لعبة التجنيب التي أتقنتها الشبكة لسنوات: يُقترح مشروعٌ ما على الورق، ثم يُوقَّع قرضٌ ضخم باسمه، ثم ينهض بنك السودان لتسديد الدفعة الأولى التي تتراوح بين أربعة وتسعة ملايين دولار لفتح الملف وتحريك الإجراءات، وبعدها يتلاشى ما تبقى من التمويل في الخارج كما يتلاشى البخار في الهواء. وهكذا يبدأ المشروع على الورق ويظل على الورق إلى الأبدبينما تُسجَّل الديون على السودان، ويُدفن المال في الخارج دون أثر أو مساءلة أو حتى سؤال عابر: أين ذهب القرض؟ ولماذا لم يظهر المشروع؟
وتصبح هذه العملية أكثر إحكاماً حين تدخل فيها المنظمات الدولية المنفذة، إذ تلتهم بين 60–80% من التمويل على الورش، والسفريات، وحجوزات الفنادق الطويلة، والإدارة، واللوجستيات. أما ما يتبقى، فبالكاد يكفي لشراء لافتة المشروع وصندوق أدوات صدئة.
في عقود 2005 و2012 التي بلغت قيمتها نحو 580 مليون دولار، والتي صادقت عليها “سعادة السفيرة” لم يدخل المال البلاد، ولم تُدر المشاريع على الأرض، ولم تُفعَّل الآليات الرقابية. ومع ذلك، تم كل شيء “قانونياً”:
عقود موقّعة باسم الدولة، تقارير تُرفع للصندوق، منظمات “تنفّذ”، وموظفون يحضرون الورش من أجل “مظاريف الدولار”.
هذا هو الإبداع الحقيقي للشبكة: لم تكن تسرق المال مباشرة، بل كانت تفصل الدولة عن مالها، ثم تدير المساحة الفاصلة بينهما كملكية خاصة. وبمرور السنوات، صار الفساد هنا ذكياً، متقناً، دولياً، وذا هندسة محاسبية لا يقدر عليها سوى دبلوماسيين ومحامين وخبراء أمضوا أعمارهم في فهم الفجوات القانونية، ثم استخدموها لصالح شبكة ضيقة، بينما تُحمَّل الديون على شعبٍ يحفر قبره الاقتصادي كل يوم.
لقد أتقنت شبكة قرناص تحويل القرض الدولي إلى مساحة مفتوحة للنهب، وتحويل التنمية إلى ورشة عمل، وتحويل المسؤولية إلى مظاريف. أما السودان، فقد خرج من كل هذا البلدَ الوحيد الذي يدفع ولا يستفيد.
ختامًا، ليس خطر الديون على السودان في حجمها، بل في المنهج الذي أُديرت به: منهجٌ يجعل كل قرض ثقباً أسود يدخل منه المال، وتخرج منه الأكاذيب. وما لم يُفتح ملف الديون على مصراعيه—بكل ما فيه من حسابات خارجية، وصيغ فنية، وعقود مقوّمة بالـSDRفلن يكون الإصلاح أكثر من وهم جديد يُضاف إلى سجل الأوهام القديمة.
إنّ معركة السودان اليوم ليست مع الفقر وحده، بل مع هندسة الفقر؛ وليست مع الفساد كواقعة، بل مع الذكاء الشرير الذي يجعله مقبولاً دولياً ومحصّناً قانونياً ومُحاطاً باللغة الفنية التي تخدر القارئ وتضلّل الرقيب.
لقد آن الأوان لكسر هذا القناع، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومالها، بين القرض ومصيره، وبين القانون ومن يستخدمه. فالسودان الذي يُحمَّل ديوناً لا يستفيد منها، هو بلدٌ تُسلب منه ليس موارده فقط، بل حقه في المستقبل.
التنوير





