
دكتور الوليد آدم مادبو
ليست المأساة في أن يخطئ الكاتب؛ فالأدب وُلد أصلًا من الخطأ، ومن الشك، ومن القلق الذي لا يهدأ. المأساة الحقيقية تبدأ حين يخطئ وهو يظن أنه بلغ ذروة الوعي، وأن موقفه الأخلاقي يُغنيه عن مساءلة نصّه. هنا لا يكون السقوط فنيًا فحسب، بل أخلاقيًا وجماليًا في آن واحد.
وما يثير القلق في مواقف بركة ساكن الأخيرة ليس انحيازًا سياسيًا عابرًا—فالكاتب، أي كاتب، لا يُطالب بالحياد في زمن المجازر—بل تحوّلٌ أعمق وأكثر خطورة: الانتقال من موقع الشاهد النقدي إلى موقع الطالب، طالب الاعتراف من سلطة لم تُخفِ يومًا احتقارها له، ولا للجماعة الإثنية التي يدّعي تمثيلها، ولا للهامش الذي يتوسّل باسمه.
في تاريخ الأدب العالمي، لم يكن الروائي الحقيقي وسيطًا مهذّبًا بين الضحية والجلاد؛ فسارتر جرّد الاستعمار أخلاقيًا بدل أن يطلب تفهّمه، وكنفاني كتب من موقع من انتُزعت إنسانيته لا من موقع من يناشد الاعتراف بها، ونغوغي كسر الاستعمار حين كسر لغته، بينما انحاز ماركيز إلى الهامش بوصفه أفقًا إنسانيًا لا ورقة ضغط. هؤلاء لم يكونوا أكثر غضبًا، بل أكثر تحررًا من الحاجة إلى التصفيق، وأكثر وعيًا بأن الاعتراف لا يُستجدى من السلطة، بل يُفرض عليها بعملٍ جمالي لا يهادن، كما فعل بركة ساكن نفسه في رواية “سمهاني”.
غير أن المأزق الأعمق لا يكمن في الشكل وحده، بل في البنية الذهنية التي تحكم هذا المشروع. فالهامش، عند ساكن، لم يُفكَّك بوصفه بنية تاريخية مركّبة، بل قُدِّم كهوية جريحة ثابتة، تُستثمر سرديًا وأخلاقيًا دون مساءلة شروط إنتاجها — رواية “مسيح دارفور” نموذجًا. وبهذا، لم يتحوّل الهامش إلى سؤال إنساني كوني، بل ظل مادة تعبئة، وقودًا لغضبٍ لا يريد أن يرى تعقيد العالم.
الرواية ليست خطاب مظلومية، ولا بيان احتجاج، ولا نشرة اتهام أخلاقي. إنها فعل تفكيك طويل للسلط، بما في ذلك العقد الكامنة في ذات الكاتب نفسه. وحين تتحوّل الشخصيات إلى أدوات أيديولوجية، وحين يُستدعى الهامش لا بوصفه سؤالًا تاريخيًا معقّدًا، بل مادةً للاتهام أو التزكية، يفقد النص توتره الداخلي، ويتحوّل إلى منبر. والمنبر—مهما علا صوته—لا يُنتج أدبًا كما بيّن عبدالرحمن أبو رندة في مقالته البديعة “حين تتحوّل الرواية إلى نشرة روائية للقطيعة”!
في تجارب التحرر الكبرى، لم يكن الكاتب يطالب العالم بأن يحبه، بل كان يفرض عليه أن يعترف بجرمه. أما طلب الاعتراف بوصفه فردًا “مقبولًا” داخل منظومة الإقصاء، فذلك سلوك التابع، لا الثائر؛ وسلوك من استبدل القطيعة الجمالية بالمساومة الرمزية.
هذه ليست إدانة أخلاقية بقدر ما هي قراءة جمالية في مصير النص حين يفقد قلقه الداخلي. فالرواية، في تجاربها الكبرى، لم تتقدّم إلا حين خانت يقينها: حين شكّ دوستويفسكي في خلاصياته، وحين مزّق كونديرا أوهام البطولة، وحين أدرك نغوغي أن اللغة ذاتها قد تكون قيدًا استعماريًا. أما النص الذي يطمئن إلى أدواته، ويعيد إنتاج غضبه بوصفه فضيلة ثابتة، فإنه يتحوّل—مهما كانت نواياه—إلى خطاب، والخطاب عدوّ الأدب الأول.
وفي لحظات التحوّل التاريخي، لا يكون أخطر ما يواجه الكاتب هو القمع، بل الإغراء: إغراء استبدال العمل الشاق على الشكل، بالتعويل على الموقف؛ واختصار المسافة الجمالية الطويلة بنداء سياسي مباشر. وحين يحدث ذلك، لا يعود النص مساءلةً للسلطة، بل يصبح جزءًا من ضجيجها، كما أشار حسن النعمان بلباقته المعهودة، حتى وهو يظن نفسه في الضفة المقابلة.
إن تجارب التحرر الوطني لم تُخلِّد الكتّاب لأنهم صرخوا أعلى، بل لأنهم حافظوا على استقلال النص عن اللحظة، وعلى مسافة نقدية حتى من القضايا العادلة نفسها. فالأدب لا يخدم العدالة حين يتحوّل إلى منشور، بل حين يكشف البنية العميقة للظلم، بما فيها قابلية الضحية لأن تعيد إنتاج منطق جلادها.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: هل بركة ساكن مع نداء الريف السوداني أم ضده؟ بل: هل ما يزال نصه في حالة اشتباك حي مع ذاته، أم أنه اكتفى بدور الشاهد الغاضب الذي يطلب الاعتراف بدل أن يفرضه؟
الخلاصة التي لا تحتمل التجميل: يكشف هذا المسار أن فشل بركة ساكن لم يكن عارضًا، بل بنيويًا: نصٌّ توقّف عن المجازفة الجمالية، وهويةٌ لم تُفكَّك بل أُعيد استثمارها، وموقفٌ سياسي استُخدم تعويضًا عن عجزٍ سردي. هكذا تحوّل الغضب من طاقة كشف إلى بديل عن العمل الأدبي، وصار طلب الاعتراف مقامًا يُعوّض غياب الندّية.
ومن هنا، فالسقوط ليس سقوط كاتبٍ مُحاصَر، بل سقوط مشروعٍ لم يُنجز شرط التحرر الأول: التحرر من الذات قبل ادّعاء تمثيل الآخرين. وعندما يفقد النص قلقه، ويتحوّل إلى خطاب، لا يبقى ما يُناقَش؛ إذ يكون بركة ساكن قد قال كلمته الأخيرة، وأعلن إفلاسه بذاته.
January 26, 2026





