عبدالمنعم سليمان
بينما ينشغل العالم بحرائق مشتعلة هنا وهناك، ينزلق السودان في هوّة سحيقة لا يحدّها قاع.
ليس المشهد مجرد نزاع تقليدي على السلطة، بل هو انتحار وطني مكتمل الأركان، حيث يُكتب التاريخ بالدم المسفوك والدموع المالحة، في وقت تُطلق فيه الأمم المتحدة صرختها الأخيرة، واصفة ما يحدث بالكارثة الإنسانية الهائلة.
إن المفارقة الصارخة في المشهد السوداني اليوم تتبدّى في تلك الهوّة بين لغة الوعيد العسكري وواقع النزيف البشري.
ففي الوقت الذي بلغت فيه المأساة الإنسانية مداها، وتجاوز عدد النازحين واللاجئين عتبة الاثني عشر مليوناً، اختار قائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أن يطل أمس الأول من منطقة عد بابكر بشرق الخرطوم، ليؤكد استمرار الآلة العسكرية في دورانها، معلناً أن الحرب لن تنتهي إلا بالقضاء على قوات الدعم السريع.
لكن هذا الإصرار الوجودي على الحسم العسكري ليس قراراً نابعاً من ضرورات الميدان، بل هو انعكاس لسطوة التيار الإسلامي المعروف بالكيزان، الذين أحكموا قبضتهم على مفاصل قرار الجيش.
هؤلاء يرون في إيقاف الحرب الآن خسارة وجودية لمشروعهم، إذ لم يُشعلوها لتتوقف دون تحقيق غايتهم الأسمى: العودة إلى سدّة السلطة مرة أخرى، ولو كان الطريق إليها مرصوفاً بركام المدن وجثث السودانيين.
إنهم يراهنون على النصر المستحيل لغسل حقبة السقوط، متجاهلين أن الدولة تتآكل من أطرافها ومن قلبها، وأن أحلام العودة إلى الكرسي تصطدم اليوم بواقع أمعاء الجياع الخاوية.
وليس هذا الاتهام محض مكايدة سياسية، بل تؤكده وقائع إعادة تدوير رموز النظام السابق داخل مفاصل القرار العسكري والأمني في سلطة بورتسودان، وعودة خطاب التعبئة الأيديولوجية ذات المفردات القديمة في الإعلام والمنابر والمنصات الموازية. فالحرب هناك تحوّلت إلى مظلّة واقية لمشروع يسعى لاستعادة شرعيته عبر الفوضى، بعدما سقطت عنه كل أشكال القبول الشعبي.
هذا الخطاب الذي يُمجّد الرصاص، ويتغذى من طموحات النظام القديم، يتزامن مع تحذيرات أممية تقشعر لها الأبدان من انهيار إنساني شامل.
هناك، في تلك المخيمات التي تحولت من ملاجئ مؤقتة إلى زنازين انتظار، يواجه مئات الآلاف موتاً صامتاً. ليس الرصاص وحده هو القاتل؛ فوفقاً لمنسقيات النازحين، بات الجوع وسوء التغذية يحصدان أرواح الأطفال والنساء وكبار السن في ظل نقص حاد في الغذاء والدواء.
إنها جريمة انعدام الأمن الغذائي التي تتحول، بفعل استمرار القتال، إلى تكتيك سياسي، حيث تُقايض أجندات الكيزان بقاءها بمعاناة الملايين.
إن استمرار البرهان في الرهان على فوهات البنادق، مدفوعاً بضغوط مراكز القوى الأيديولوجية داخل المؤسسة العسكرية، يتجاهل حقيقة جوهرية؛ وهي أن الحروب الأهلية لا تنتهي بانتصار طرف على جثة وطن، بل بجلوس الجميع فوق أنقاضه.
إن صرخات الجوعى في دارفور، وأنين النازحين، ليست مجرد أرقام في تقارير المنظمات، بل إدانة حيّة لكل قرار يغلب شهوة السلطة على قدسية البقاء.
يواجه السودان اليوم اختباراً وجودياً؛ فإما أن تغلب لغة العقل، وتتحرر المؤسسة العسكرية من ارتهانها لأجندات الماضي، لتدارك ما تبقى من كرامة الإنسان، وإما أن يستمر هذا النزيف حتى يتحول السودان إلى جغرافيا بلا شعب.
إن المجتمع الدولي يكتفي حتى الآن بدور المُحصي للضحايا، في حين أن الوجع السوداني يتجاوز المساعدات العابرة إلى حاجة ماسّة لإرادة توقف هذا الاندفاع الانتحاري نحو الهاوية.
إن البطولات العسكرية الحقيقية لا تُقاس بالمساحات المستردة فوق الخريطة، بل بالأرواح التي تُصان.
وما يحدث اليوم هو سباق نحو العدم، حيث الخاسر الوحيد هو ذلك السوداني الذي لم يطلب من الحياة سوى الأمان والعيش كإنسان، فوهبته لغة العسكر المتماهية مع وحشية الكيزان ونهمهم للسلطة النزوح والتشرّد والجوع .. أو الموت في صمت مريب.





