ليست كردفان مجرد ساحة قتال عابرة في حربٍ طاحنة، بل هي جوهر المعادلة السودانية، والرقعة التي كلما إشتعلت حسمت إتجاه البوصلة الوطنية.
من المهدية إلى حروب الدولة الحديثة، أثبت التاريخ حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: من يثبت أقدامه في كردفان، يفرض شروطه على كامل الجغرافيا السودانية.
اليوم، ومع اقتراب حسم المعارك الدائرة، تبرز كردفان بوصفها إستحقاق ما بعد الحرب، لا كغنيمة عسكرية، بل كمسؤولية سياسية وأخلاقية وإستراتيجية.
هي العمق الحيوي لدارفور، وسندها الجغرافي والبشري، وهي في الوقت ذاته قلب السودان النابض الذي يربط الغرب بالوسط، ويكسر أي مشروع عزل أو تقسيم.
قيادات الدعم السريع وتحالف تأسيس ،و حكومة السلام التي تتحسس خُطاها، مطالَبين، في هذه اللحظة المفصلية، بإعادة تعريف النص وترجمته لواقع ملموس .
الحسم العسكري، إن لم يُتوج برؤية لإدارة ما بعد المعركة، يتحول إلى عبءٍ جديد،وكردفان، بما عانته من تهميش ممنهج، ونهب منظم للموارد، وتحويل متعمد إلى ساحة إستنزاف، لا تحتمل إعادة إنتاج أخطاء المركز القديم بثوبٍ جديد.
ما تحتاجه كردفان بعد الحرب ليس الشعارات، بل برنامج واضح: أمنٌ مستدام يحمي القرى والطرق، إدارة مدنية نابعة من أهل الإقاليم الشرفاء الذين لم يتلوث تاريخهم بإخفاقات الماضي،إعادة إعمار حقيقية لا تقوم على الصدقات بل على الحقوق، وتمكين إقتصادي يعيد للإنسان الكردفاني كرامته ودوره في الإنتاج لا في النزوح.
تجاهل كردفان بعد الحسم سيكون خطأً إستراتيجيًا قاتلًا، لأن الإقاليم و الولايات، لا تقبل الفراغ،فإما أن تُملأ بمشروع عادل يعترف بثقلها، أو تُترك لتصبح بؤرة صراع جديدة تستنزف الجميع.
الإستثمار فيها سياسيًا وتنمويًا، هو الضمانة الحقيقية لإستقرار دارفور، ولإعادة تشكيل السودان على أسس جديدة.
كردفان لا تطلب إمتيازًا، بل موقعها الطبيعي في معادلة الوطن،ومن يفهم وزنها اليوم، سيكسب الغد.
ومن يتعامل معها كهوامش، سيخسر المعركة حتى وإن ظن أنه إنتصر في الميدان.
بعد أن تضع الحرب أوزارها، سيُكتب التاريخ من جديد،والسؤال الجوهري: هل ستكون كردفان شريكة في المستقبل، أم ضحية أخرى لنصرٍ أعمى؟
ولنا عودة بإذن الله
الثلاثاء،١٣يناير/٢٠٢٦م





