سيبويه يوسف
شهدت الساعات والأيام الماضية تصعيدًا عسكريًا لافتًا أعاد طرح سؤال السيادة الجوية في السودان إلى واجهة المشهد، عقب الاستهداف الدقيق الذي طال مقر الفرقة العسكرية في مدينة سنجة. هذا التطور لم يكن معزولًا عن سياقه، بل جاء ضمن سلسلة عمليات نوعية تشير إلى تحوّل ملموس في طبيعة الصراع وأدواته، خصوصًا في ما يتعلق باستخدام الطائرات المسيّرة وقدرات الدفاع الجوي.
وبحسب معلومات غير رسمية وشهادات عيان، أسفر استهداف مقر الفرقة في سنجة عن مقتل عشرات العسكريين والمدنيين، في وقت أصدرت فيه حكومتا ولايتي النيل الأبيض والنيل الأزرق بيانات نعي رسمية شملت عناصر من الحرس والمراسم، إلى جانب عدد من العاملين بمكاتب الولاة. وتزامن ذلك مع حملات تفتيش واسعة استهدفت مواطنين وعسكريين، بذريعة الاشتباه في التعاون مع قوات الدعم السريع عبر إرسال إحداثيات الموقع الذي تعرض للاستهداف.
وتشير المعطيات إلى أن الموقع المستهدف كان يحتضن اجتماعًا رفيع المستوى ضم أربعة من ولاة الولايات، إلى جانب قادة فرق عسكرية وقيادات أمنية، فيما تحدثت تقارير إعلامية عن مشاركة خبراء من إحدى دول الجوار في الاجتماع، الأمر الذي يضفي أبعادًا إقليمية إضافية على العملية، ويطرح تساؤلات حول حجم الاختراق الأمني والاستخباراتي.
ولم تمضِ ساعات على عملية سنجة حتى تعرض مقر الفرقة العسكرية في مدينة كوستي لاستهداف بطائرة مسيّرة أخرى، في تطور يعكس نمطًا متكررًا من العمليات المتزامنة. وكالعادة، التزم الجيش الصمت، إذ لم يصدر بيان رسمي يوضح حجم الخسائر البشرية أو المادية، مكتفيًا بسياسة إعلامية تقليدية تقلل من أثر العمليات وتؤكد “التصدي” للهجمات عبر المضادات الأرضية، دون تقديم أدلة أو تفاصيل.
في المقابل، تبدو قوات الدعم السريع وقد حققت قفزة نوعية في استخدام التقنيات الحديثة، سواء من حيث دقة الاستهداف أو القدرة على العمل في عمق مناطق سيطرة الجيش. فقد تمكنت خلال 72 ساعة فقط من إسقاط ثلاث طائرات مسيّرة من طراز “أكنجي – بيرقدار” التركية الصنع، وهو تطور بالغ الدلالة يؤشر إلى رفع القدرات الدفاعية، بل وإعلان سيطرة جوية فعلية في بعض المناطق.
هذه الوقائع مجتمعة تعزز الانطباع بأن الجيش بدأ يفقد السيادة الجوية تدريجيًا حتى في المناطق التي يفترض أنها تحت سيطرته، كما حدث في سنجة وكوستي، الأمر الذي يعكس خللًا واضحًا في منظومات الرصد والاعتراض والدفاع الجوي. ومع استمرار هذا النسق من العمليات، يبدو أن ميزان القوة آخذ في التحول، وأن معركة السماء باتت عنصرًا حاسمًا قد يعيد رسم خطوط السيطرة والنفوذ في الصراع الدائر، ما لم تحدث مراجعات جذرية في الاستراتيجية العسكرية والأمنية المعتمدة.





