بقلم:فاطمة لقاوة
أزمة السودان الراهنة ليست إنزلاقًا أمنيًا عابرًا، ولا صِراعًا عسكريًا بين قوى متكافئة كما تحاول بعض السرديات التبسيطية تصويرها، بل هي أزمة بنيوية عميقة تشكّلت عبر تاريخ طويل من احتكار النخب المركزية للسلطة والثروة والرمزية السياسية.
حين جاءت ثورة ديسمبر 2018 لتكسر هذا الإحتكار، لم تتعامل تلك النخب مع التحول بوصفه إستحقاقًا وطنيًا، بل رأته تهديدًا وجوديًا، فاختارت – بوعي كامل – مسار الإلتفاف ثم الإجهاض، وصولًا إلى الحرب.
إن جوهر الأزمة السودانية يتمثّل في حقدٍ سياسي ،إجتماعي متراكم داخل نخب فشلت في بناء دولة وطنية جامعة، وأدمنت إدارة البلاد بمنطق الوصاية.
هذه النخب، مدنية كانت أم عسكرية، لم تتردّد في التزحلق إلى السلطة على ظهر الثورة أولًا، ثم على أنقاض الحرب لاحقًا، كلما سنحت الفرصة لإعادة إنتاج إمتيازاتها،كما نشاهد اليوم.
بعيدًا عن المغالطات المقصودة بشأن نشأة قوات الدعم السريع، والتي تُستدعى إنتقائيًا لإخفاء السياق الكامل، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها: قيادة الدعم السريع إنحازت لثورة 19 ديسمبر. وكان خطاب قائدها أمام جنوده في طيبة الحسناب لحظة سياسية فاصلة، مثّل ضغطًا مباشرًا على اللجنة الأمنية للمؤتمر الوطني، وأسهم في التعجيل بإزاحة عمر البشير.
لم يكن ذلك موقفًا شكليًا، بل تعبيرًا عن قراءة جديدة لمعادلة القوة فرضها الشارع الثوري وأربكت حسابات الدولة العميقة.
غير أن إزاحة البشير لم تعنِ تفكيك النظام. فقد ظلّت شبكات الإسلاميين متغلغلة داخل المؤسسة العسكرية، تعمل بعقلية الدولة الموازية، وبتنسيق إقليمي واضح، جرى التخطيط المنهجي لإضعاف الشارع الثوري وتوريط الدعم السريع سياسيًا وأخلاقيًا.
في هذا السياق، لا يمكن فهم جريمة فضّ إعتصام القيادة العامة بوصفها إنفلاتًا أو خطأً معزولًا، بل كـ فعل سياسي مركّب جرى إخراجه بعناية، وتوثيقه بطريقة تخدم هدفًا محددًا: تحميل المسؤولية لطرف بعينه، وعزل قيادة الدعم السريع، مع تبرئة البنية الفعلية للجريمة.
اللافت أن القوى السياسية المدنية شاركت – بوعي أو بسذاجة – في تمرير هذه الرواية، ابتلعت الطُّعم، وانخرطت بعض نخبها في توظيف الصدمة والدم لإطلاق مشروع إقصائي جديد، متوهمة أن لحظة التخلص من محمد حمدان دقلو قد حانت، عبر شعارات ثورية جرى تفريغها من مضمونها، وتحويلها إلى أدوات تعبئة انتقائية.
القوى الخارجية التي ادّعت دعم التحول الديمقراطي، فقد تبيّن أن مقاربتها للسودان اتسمت بالازدواجية والنفاق السياسي.
دعمت “الانتقال” خطابًا، لكنها عمليًا إنحازت لمعادلة الإستقرار الزائف-الذي نسمعه من الخطابات الكاذبة للبرهان و أتباعه- وغضّت الطرف عن الفاعلين الحقيقيين في تخريب المسار، ما داموا يلبّون حسابات إقليمية ضيقة.
إتساع الحضور الشعبي لقائد قوات الدعم السريع،وحّد الحقد الطبقي والحسد السياسي لدى قطاعات من النخب المدنية والعسكرية. لم تستطع هذه النخب إستيعاب أن فاعلًا قادمًا من خارج دائرتها المغلقة قد إمتلك شرعية إجتماعية ناعمة، مصدرها الخطاب المباشر والبساطة وغياب الإدعاء النخبوي.
جاء الرد عبر هندسة ما عُرف بالاتفاق الإطاري، لا بوصفه مدخلًا حقيقيًا للانتقال، بل كأداة لإعادة ترتيب موازين الإقصاء وتسريع التخلص ممن اعتُبر تهديدًا لامتيازات قديمة.
إذا كان ثمة نقد تحليلي موضوعي يمكن توجيهه لقائد الدعم السريع، فهو دخوله معترك السياسة بعقلية أخلاقية-(دخل السياسة بروح ونقاء البداوة)- في ساحة تحكمها البراغماتية الخشنة والمؤامرة تحت ضغط الشارع، وبحسن نية، ساهم في تهيئة المناخ لانقلاب 25 أكتوبر، قبل أن يقدّم إعتذارًا علنيًا نادرًا للشعب السوداني، في سابقة لم يعرفها تاريخ الساسة والعسكريين في البلاد.
حين أدرك خصومه أن الرجل لا يتعامل مع السلطة بوصفها غاية، بل وسيلة لإنهاء بنية الدولة العميقة، وأنه مستعد للتنحي الكامل إذا كان ذلك يفتح الطريق أمام خيار ديمقراطي حقيقي – كما أعلن صراحة في إفطار رمضان في منزله– اتخذ أعداءه القرار الأخطر: إشعال الحرب.
اندلعت حرب 15 أبريل بوهم الحسم السريع، لكن الحسابات أخطأت التقدير، إذ تبيّن أن تفكك الجيش كمؤسسة وطنية، واختطاف اسمه بواسطة عصابة سياسية، جعل هذه الحرب تنقلب على مخططيها. فإنسحبت العصابة المُدبرة للحرب إلى بورتسودان، وبدأ تنفيذ سياسة الأرض المحروقة عبر قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية.
اليوم، يقف العالم متفرجًا، وبعض دول الجوار متورطة بالفعل أو بالصمت، فيما قوى سياسية سودانية تواطأت مع عصابة بورتسودان، ظنًا أن الإقصاء ممكن عبر الضغط الإعلامي الممنهج، والتقارير الملفّقة، والتغلغل داخل بعض المنظمات الدولية.
غير أن ما فشلوا في إدراكه، أن الوعي الشعبي قد تجاوز هذه النخب، وأن دماء الشباب التي سالت منذ ديسمبر وحتى اليوم أغلقت الطريق أمام إعادة إنتاج الفشل القديم.
التاريخ لا يكتب بيانات تبرئة، ولا يمنح فرصًا أخيرة بلا ثمن.
كيف قاد حقدُ النخب السودانَ من الثورة إلى الحرب؟
لم يعد السؤال لنقاش الفكريً فقط، بل هو مفتاح لفهم المأساة التي ألمت بشعب السودان،وبوابة الخلاص منها.
ولنا عودة بإذن الله
الجمعة ،٢يناير/٢٠٢٦م





